التّفسير
الآية الحاضرة مكملة للآية السابقة ، لأنّ الآية السابقة كانت تدعو المؤمنين إلى طاعة اللَّه والرسول وأولي الأمر والتحاكم إلى الكتاب والسنّة ، وهذه الآية تنهى عن التحاكم إلى الطاغوت واتّباع أمره وحكمه وتقول : « أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ ءَامَنُوا بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَن يَكْفُرُوا بِهِ » .
ثم يضيف القرآن قائلًا : « وَيُرِيدُ الشَّيْطنُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَللًا بَعِيدًا » . أي إنّ التحاكم إلى الطاغوت فخّ الشيطان ليضل المؤمنين عن الصراط المستقيم .
وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُوداً ( 61 ) فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَاناً وَتَوْفِيقاً ( 62 ) أُولئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغاً ( 63 ) نتائج حكم الطاغوت : في أعقاب النهي الشديد عن التحاكم إلى الطاغوت وحكام الجور الذي مرّ في الآية السابقة جاءت هذه الآيات الثلاث تدرس نتائج أمثال هذه الأحكام والأقضية ، وما يتمسك به المنافقون لتبرير تحاكمهم إلى الطواغيت وحكام الجور والباطل .
ففي الآية الأولى يقول سبحانه : « وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُودًا » .
إنّ الإصرار على هذا العمل يكشف عن ضعف إيمانهم وروح النفاق فيهم ، وإلّا لوجب أن ينتبهوا ويثوبوا إلى رشدهم على دعوة رسول الكريم صلى الله عليه وآله لهم ويعترفوا بخطأهم .
ثم في الآية الثانية يبين هذه الحقيقة ، وهي أنّ هؤلاء المنافقين عندما يتورطون في مصيبة كنتيجة لمواقفهم وأعمالهم ، ويواجهون طريقاً مسدودة يعودون إليك عن اضطرار ويأس :
« فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ » .
ويحلفون في هذه الحالة أنّ هدفهم من التحاكم إلى الآخرين لم يكن إلّاالإحسان والتوصل إلى الوفاق بين طرفي الدعوى : « يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِن أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا » .
مختصر الامثل — صفحة 415
مساهمون: الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
ص٤١٥