الأخوية ، لكي يندمل بذلك ما في قلوب أولئك من الجراح ، وينجبر ما في أفئدتهم من الكسر ، وإلى هذا يشير قوله سبحانه : « فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا » .
إنّ هذا التعليم الإسلامي إشارة إلى ناحية نفسية في مجال تربية اليتامى وهي : إنّ حاجة الطفل اليتيم لا تنحصر في الطعام والكساء ، بل - مضافاً إلى الرعاية الجسدية - أن يحظى بالرعاية الروحية والعناية العاطفية ، وإلّا نشأ قاسياً مهزوماً ، عديم الشخصية ، بل وحاقداً خطيراً .
إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً ( 10 ) الوجه الحقيقي لأفعال البشر : ابتدأت هذه السورة بعبارات شديدة النكير على من يتصرف في أموال اليتامى تصرفاً غير مشروع وغير صحيح ، والآية الحاضرة هي أوضح هذه العبارات . تقول هذه الآية : « إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِى بُطُونِهِمْ نَارًا » .
ثم إنّه سبحانه يقول في بيان نتيجة أكل أموال اليتامى : « وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا » .
ويستفاد من هذه الآية أنّ لأعمالنا مضافاً إلى وجهها الظاهري وجهاً واقعياً أيضاً ، وجهاً مستوراً عنّا في هذه الدنيا ، لا نراه بعيوننا هنا ، ولكنه يظهر في العالم الآخر ، وهذا الأمر هو ما يشكل مسألة تجسم الأعمال المطروحة في المعتقدات الإسلامية .
إنّ القرآن يصرح في هذه الآية بأنّ الذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً وجوراً ، وإن كان الوجه الظاهري لفعلهم هذا هو الأكل من الأطعمة اللذيذة الملونة ، ولكن الوجه الواقعي لهذه الأغذية هو النار المحرقة الملتهبة ، وهذا الوجه هو الذي يظهر ويتجلّى على حقيقته في عالم الآخرة .
مختصر الامثل — صفحة 373
مساهمون: الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
ص٣٧٣