في المدينة فدعاهم اللَّه إلى الصبر ووعدهم بالنصر .
التّفسير
يبدو من الآية الكريمة أنّ جماعة من المسلمين كانت ترى أنّ إظهار الإيمان باللَّه وحده كاف لدخولهم الجنة ، ولذلك لم يوطّنوا أنفسهم على تحمل الصعاب والمشاقّ ظانين أنّه سبحانه هو الكفيل بإصلاح أمورهم ودفع شرّ الأعداء عنهم .
الآية تردّ على هذا الفهم الخاطىء فتقول : « أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ » .
وبما أنّهم كانوا في غاية الإستقامة والصبر مقابل تلك الحوادث والمصائب ، وكانوا في غاية التوكل وتفويض الأمر إلى اللطف الإلهي ، فلذلك تعقب الآية : « أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ » .
إنّ الآية أعلاه تحكي إحدى السنن الإلهية في الأقوام البشرية جميعاً ، وتنذر المؤمنين في جميع الأزمنة والأعصار أنّهم ينبغي عليهم لنيل النصر والتوفيق والمواهب الأخروية أن يتقبّلوا الصعوبات والمشاكل ويبذلوا التضحيات في هذا السبيل ، وإنّ هذه المشاكل والصعوبات ما هي إلّاامتحان وتربية للمؤمنين ولتمييز المؤمن الحقيقي عن المتظاهر بالإيمان .
كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ( 216 )
سبب النّزول
في تفسير مجمع البيان عن ابن عباس قال : أنّ الآية نزلت في عمرو بن الجموح وكان شيخاً كبيراً ذا مال كثير ، فقال يا رسول اللَّه ! بماذا أتصدق ؟ وعلى مَن أتصدق ؟ فأنزل اللَّه سبحانه هذه الآية .
التّفسير
يتعرّض القرآن الكريم في آيات عديدة إلى الإنفاق والبذل في سبيل اللَّه ، وحثّ المسلمين بطرق عديدة على الإنفاق والأخذ بيد الضعفاء ، وهذه الآية تتناول مسألة الإنفاق من جانب آخر ، فثمة سائل عن نوع المال الذي ينفقه ، ولذلك جاء تعبير الآية بهذا الشكل : « يَسَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ » .
مختصر الامثل — صفحة 173
مساهمون: الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
ص١٧٣