بدر ، وقتل من المسلمين يومئذ أربعة عشر رجلًا ، ستة من المهاجرين وثمانية من الأنصار ، وكانوا يقولون : مات فلان . فأنزل اللَّه تعالى هذه الآية .
التّفسير
الشهداء أحياء : الآيات السابقة عرضت مفاهيم التعليم والتربية والذكر والشكر ، وفي الآية الأولى من آيتي بحثنا دار الحديث حول الصبر الذي لا تتحقق المفاهيم السابقة بدونه .
تقول الآية أوّلًا : « يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَوةِ » .
واجهوا المشاكل والصعاب بهاتين القوتين فالنصر حليفكم : « إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ » .
خلافاً لما يتصور بعض الناس « الصبر » لا يعني تحمل الشقاء وقبول الذلة والاستسلام للعوامل الخارجية ، بل الصبر يعني المقاومة والثبات أمام جميع المشاكل والحوادث .
الموضوع الآخر الذي أكدت عليه الآية أعلاه باعتباره السند الهام إلى جانب الصبر هو « الصلاة » . في الكافي عن الإمام الصادق عليه السلام قال : « كان عليّ عليه السلام إذا هاله شيء فزع إلى الصّلاة ثم تلا هذه الآية « وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَوةِ » » .
فالآية أعلاه تطرح مبدأين هامين : الأول الاعتماد على اللَّه ، ومظهره الصلاة ؛ والآخر الاعتماد على النفس ، وهو الذي عبرت عنه الآية بالصبر .
وبعد ذكر الصبر والاستقامة تتحدث الآية التالية عن خلود الشهداء ، الذين يجسدون أروع نماذج الصابرين على طريق اللَّه . تقول الآية : « وَلَا تَقُولُوا لِمَن يُقْتَلُ فِى سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ » . ثم تؤكّد هذا المفهوم ثانية بالإستدراك . « بَلْ أَحْيَاءٌ وَلكِن لَّاتَشْعُرُونَ » .
في كل حركة - أساساً - تنزوي مجموعة محبة للعافية ، وتبتعد عن الأمة الثائرة ، ولا تكتفي هي بالتقاعس والتكاسل ، بل تسعى إلى تثبيط عزائم الآخرين وبثّ الرخوة والتماهل في المجتمع .
القرآن الكريم يتحدث عن مثل هذه الفئة كراراً ويؤنبهم بشدة .
هذه الآية تثبت بوضوح بقاء الروح والحياة البرزخية للبشر ( الحياة بعد الموت وقبل البعث ) . سنفصل الحديث في هذا الموضوع عند تناولنا الآية ( 169 ) من سورة آل عمران .
وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ ( 155 ) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ ( 156 ) أُولئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ ( 157 )
مختصر الامثل — صفحة 122
مساهمون: الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
ص١٢٢