كان لعقابه غاية حيث كان للعمل نهاية ، لأن الأعمار كان لها في الدنيا غاية وقصيرة مغيّاة بغايات محدودة فالأعمال على ميزان الأعمار بخلاف النيّات ، فإنّ المرء قد ينوي ما لا يدركه مثل الكافر فإنه ينوي أن يعصي اللّه تعالى عنادا وجحودا لو بقي في الدنيا مخلّدا ، فإنه وإن لم يدرك الخلود لكن اللّه سبحانه يؤاخذه طبق ما نواه ويعذّبه على ما أراد . فهذه شرّ له من عمله ، وهذا ما
أجاب عليه السّلام عنه في السّؤال عن أن نيّة المؤمن خير من عمله ونيّة الكافر شرّ من عمله .
ولمّا لم يتنبّه الكفرة بالأدلّة المذكورة إلى ما هو المقصود من ذكرها من وجود الصّانع تعالى وتوحيده ولا سلكوا طريق الحق ، عطف هو سبحانه زمام الكلام إلى أدلّة التوحيد فقال :
[ سورة يس ( 36 ) : الآيات 71 إلى 76 ]
أَ وَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينا أَنْعاماً فَهُمْ لَها مالِكُونَ ( 71 ) وَذَلَّلْناها لَهُمْ فَمِنْها رَكُوبُهُمْ وَمِنْها يَأْكُلُونَ ( 72 ) وَلَهُمْ فِيها مَنافِعُ وَمَشارِبُ أَ فَلا يَشْكُرُونَ ( 73 ) وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ ( 74 ) لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ وَهُمْ لَهُمْ جُنْدٌ مُحْضَرُونَ ( 75 )
فَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّا نَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ ( 76 )
71 -
أَ وَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنا لَهُمْ . . .
أي ألم يعلموا علما يقينيّا متاخما للمعاينة أنّا لأجلهم خلقنا
مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينا أَنْعاماً
أي باشرنا إحداثها بالذات من غير وليّ ولا معين . وذكر الأيدي من باب الاستعارة لإفادة