كلام في البين لأنّه سبحانه يخاطب المعدوم في عالم الأمر بالتكوّن والمخاطبة في ذاك العالم لا تكون بلفظ بل خطابه قصده ومقارنا لتلك الإرادة .
والمراد أن الموجود يكون بلا فصل زماني ، بل الإرادة والمراد مقترنان في الوجود تمام المقارنة . والتعبير بالفاء التي تدلّ على التقدّم والتأخّر الزمانيّ من باب التفهيم والتفاهم لعامّة الناس وتقريب المقصود إلى أفهامهم والمطالب الدّقيقة إلى أذهانهم ، وإلّا فلم يكن بين إرادة اللّه ومراده في الإيجاد تقدّم ولا تأخر زماني . نعم التقدم والتأخّر الرّتبي لا بدّ وأن نقول به حيث إنه ما لم يكن قصد لم يكن مقصود ، وبالجملة فاستدل سبحانه بهذه الصفات على كمال القدرة ، وعبّر عن الإيجاد والإعدام ، وإن شئت قلت عن الإحياء والإماتة بقوله : كن فيكون ، أي الانتقال من كونه ترابا إلى النطفة وإلى كونه علقة ، وإلى العظام . وفي هذه الانتقالات على مقتضى الحكمة حصول تدريجي . وأمّا تعلّق جوهر الرّوح به فذلك يحدث دفعة واحدة . ولا يخفى أن تلك المراتب من عالم الخلق ولكن قضية تعلق الزمان من عالم الأمر فلعلّه لذلك عبر بقوله كن فيكون .
[ سورة غافر ( 40 ) : الآيات 69 إلى 76 ]
أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِ اللَّهِ أَنَّى يُصْرَفُونَ ( 69 ) الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالْكِتابِ وَبِما أَرْسَلْنا بِهِ رُسُلَنا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ( 70 ) إِذِ الْأَغْلالُ فِي أَعْناقِهِمْ وَالسَّلاسِلُ يُسْحَبُونَ ( 71 ) فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ ( 72 ) ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ ( 73 )
مِنْ دُونِ اللَّهِ قالُوا ضَلُّوا عَنَّا بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُوا مِنْ قَبْلُ شَيْئاً كَذلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الْكافِرِينَ ( 74 ) ذلِكُمْ بِما كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِما كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ ( 75 ) ادْخُلُوا أَبْوابَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ ( 76 )