رأيتهم ينظرون إليك أيها النبي في تلك الحالة ، كما ينظر المغشي عليه من معالجة سكرات الموت حذرا وخورا وضعفا ، وهكذا خوف هؤلاء الجبناء من القتال .
3 -
فَإِذا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدادٍ
وهذه صفة سلاطة اللسان والإيذاء بالكلام والتفاخر الكاذب ، والمعنى : فإذا تحقق الأمن غلبوكم باللسان وآذوكم بالكلام ، وتفاخروا بأنهم أهل النجدة والشجاعة ، وهم في ذلك كاذبون .
وسبب هذه الصفة ، كما قال تعالى :
أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ
أي وهم مع ذلك ليس فيهم خير ، قد جمعوا الجبن والكذب وقلة الخير ، فهم قليلو الخير في الحالتين ، كثيرو الشر في الوقتين ، يبخلون أولا وآخرا ، أي أنهم حين البأس جبناء ، وحين الغنيمة بخلاء ، قال قتادة : أما عند الغنيمة فأشح قوم وأسوؤه مقاسمة ، يقولون : أعطونا أعطونا ، قد شهدنا معكم ، وأما عند البأس فأجبن قوم وأخذله للحق .
ثم ذكر اللّه تعالى سبب مرضهم وجميع صفاتهم وهو ضعف الثقة باللّه ، فقال :
أُولئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا ، فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمالَهُمْ ، وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً
أي إن أولئك المنافقين هم في الواقع غير مصدقين باللّه ورسوله ، ولم يؤمنوا حقيقة ، وإن أظهروا الإيمان لفظا ، فأبطل اللّه أعمالهم التي كانوا يأتون بها مع المسلمين ، وكان ذلك الإحباط سهلا هينا عند اللّه ، بمقتضى عدله وحكمته .
وتساءل الزمخشري بقوله : هل يثبت للمنافق عمل ، حتى يرد عليه الإحباط ؟ فأجاب : لا ، ولكنه تعليم لمن عسى يظن أن الإيمان باللسان إيمان ، وإن لم يواطئه القلب ، وأن ما يعمل المنافق من الأعمال يجزى عليه ، فبين أن إيمانه ليس بإيمان ، وأن كل عمل يوجد منه باطل « 1 » .
هامش
( 1 ) الكشاف : 2 / 534