تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج — صفحة 55

مساهمون:

ص٥٥
النخيل والأعناب ومختلف الأثمار ، وتجري فيها الأنهار ، فتسقيها ، وقد علقت الآمال عليها ، ورجوت أن تنتفع بها مع صغارك ، وأنت في حال الكبر لا تقدر على الكسب ، وهم لا يقدرون على شأنك وشأنهم ، ولا مورد لك غير هذه الجنة ، ثم أصابتها ريح السّموم « 1 » اللافحة بحرها أو بردها القارس ، فأحرقتها وأبادت ثمرها . هذا حالك إذ أنفقت مالك رياء ، أو بالمن والأذى ، لن تجد له أية فائدة في يوم القيامة ، ولن تجد لعملك غير الحسرة والندامة ، وأنت في ذلك اليوم الرهيب في أشد الحاجة إلى نتيجة عملك ، وثواب ما بذلت ؛ لأن إعصار الرياء ، والمنّ والأذى بدّد كل ما فعلته من خير في الظاهر ، وهو شر في الحقيقة والباطن . ومثل هذا البيان الجلي الواضح يبين اللّه لكم الآيات ودلائل الشريعة وأسرارها وغاياتها وفوائدها لتتفكروا فيها ، وتتعظوا بما اشتملت عليه من الأمثال والمعاني والعبر ، وتنزلوها على المراد بها ، فتقصدوا بنفقاتكم أن تكون خالصة لوجه اللّه تعالى ، دون أن يصاحبها رياء أو منّ وأذى ، كما قال تعالى :
وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ ، وَما يَعْقِلُها إِلَّا الْعالِمُونَ
[ العنكبوت 29 / 43 ] . فقوله
لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ
أي في العواقب ، فتضعون نفقاتكم في مرضاة اللّه مع الإخلاص وقصد تثبيت النفس على فعل الخير المحض .

فقه الحياة أو الأحكام :

في الآيتين مثلان واضحان يوجبان التأمل والتفكر والمقارنة ، ولا شك بأن كل مؤمن عاقل يختار الموقف الأول ، فيجعل نفقته خالصة لوجه اللّه ، لأنها هي التي تفيده وتحقق له الثواب يوم القيامة ، ولا يغتر العاقل بمظاهر الدنيا الفانية وسمعتها وشهرتها الزائلة ؛ لأن كلام الناس في كل حال مؤذ ومضر ، فإن راءى
هامش
( 1 ) السموم : الريح الحارة ، وتؤنث ، وجمعها سمائم .