تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الأثري الجامع — صفحة 74

مساهمون:

ص٧٤
وطهارة الضمير
وَلكِنْ لا تُواعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفاً
لا نكر فيه ولا فحش ، ولا مخالفة لحدود ما أنزل اللّه ، والّتي بيّنها في هذا الموقف الدقيق .
وَلا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتابُ
ما فرض عليهنّ من العدّة
أَجَلَهُ
أي تنقضي العدّة . قوله :
وَلا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكاحِ
- ولم يقل : « ولا تعقدوا النكاح » - زيادة في التحرّج . فالعزيمة الّتي تنشئ العقدة هي المنهيّ عنها ، نظير :
تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَقْرَبُوها
مبالغة في التحرّز عنها . الأمر الّذي يوحي بمعنى في غاية اللّطف والدقّة .
وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ .
وهنا يربط بين التشريع والوازع النفسي الباعث على الخشية من اللّه المطّلع على السرائر ، فللهواجس المستكنّة وللمشاعر المكنونة هنا - وفي غيرها من مزالّ - الأقدام - قيمتها في العلاقات بين رجل وامرأة ، بل بين آحاد الناس على سواء . ومع ذلك
وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ
غفور يغفر خطيئة القلب الشاعر باللّه ، الحذر من عقوبته . حليم لا يعجل بالعقوبة ، فلعلّ عبده الخاطىء آب ورجع عمّا فرّط في جنب اللّه . * * * ثمّ يجيء حكم المطلّقة قبل الدخول :
لا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّساءَ ما لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً
فالواجب على الزوج في هذه الحالة أن يمتّعها أي يمنحها عطيّة حسبما يستطيع :
وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ
- أي المعوز - قدره ،
مَتاعاً بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ
ممّن يحاول الإحسان في حياته . نعم ولهذا العمل قيمته النفسيّة بجانب كونه نوعا من التعويض ؛ إنّ انفصام هذه العقدة من قبل ابتدائها قد ينشئ جفوة ممضّة في نفس المرأة ، ويجعل الفراق طعنة عداء وخصومة . ولكنّ التمتيع يذهب بهذا الجوّ المكفهرّ ، وينسم فيه نسمات من الودّ والمعذرة ، ولهذا يوصي أن يكون المتاع بالمعروف ، استبقاء للمودّة الإنسانيّة ، وافتراقا بسلام . أمّا إذا كان الطلاق قبل المساس ، بعد أن فرضتم لهنّ فريضة ، فنصف ما فرضتم . هذا هو القانون . ولكنّ القرآن يدع الأمر بعد ذلك للسماحة والفضل واليسر ، فللزوجة أو وليّها إن كانت صغيرة أن تعفو وتترك ما يفرضه القانون ، والتنازل في هذه الحالة هو تنازل الإنسان الراضي القادر العفوّ السمح ، فيا للقرآن يظلّ يلا حق هذه القلوب كي تصفو وترفّ وتخلو من كلّ شائبة :
وَأَنْ تَعْفُوا
التفسير الأثري الجامع — صفحة 74 | الشيخ محمد هادي معرفة