تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الأثري الجامع — صفحة 483

مساهمون:

ص٤٨٣
قوله تعالى :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ . فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُسُ أَمْوالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ
وبعد تلك العظة البالغة العامّة الشاملة ، جاء دور توجيه الخطاب إلى الجماعة المسلمة المعاصرة لنزول الخطاب ، فليكفّوا عن شنيعتهم تلك المقيتة ، أمّا إن لم ينتهوا ، فليعلموا أنّهم بإصرارهم على عملهم الجاهليّ القديم ، معلنون بحرب شعواء ضدّ تعاليم الإسلام ، فيصبحوا بعد إيمانهم كفّارا محاربين للّه ولرسوله . لكنّهم إن تابوا وانتهوا عن مراودة الربا ، فإنّ لهم رؤوس أموالهم مجرّدة تعود إليهم ، أمّا الأرباح الّتي كانوا يتوقّعونها فتعود إلى المدينين . لا تظلمون في اقتضاء ربح ، ولا تظلمون في مصادرة رؤوس أموالكم . وهذا هو مقتضى كلّ عقد فاسد ، أو ما تبيّن فساده بعد ، فإنّ كلّا من العوضين يعود إلى صاحبه القديم . قوله تعالى :
وَإِنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ
ولمّا كان قوله تعالى - في الآية السابقة - :
فَلَكُمْ رُؤُسُ أَمْوالِكُمْ ،
قد يستشعر منه استرجاع رؤوس الأموال معجّلة - حسب مقتضى انفساخ العقود الباطلة - جاءت الآية هنا لاستدراك هذا المعنى ، وأنّ الإسلام لا يفسح المجال للدائن ليطارد المدين المعسر ، حتّى ولو حلّ أجله . فيجب بحكم قانون العدل إنظاره إلى ميسرته ، أو يسمح له بالإبراء والتصدّق بذلك في سبيل مرضاته تعالى . وهذا إحسان إلى جنب ذلك العدل .
إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ
« 1 » . وهذا هو منهج الإسلام الحنيف ، فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر . ومن ثمّ عقّبه بقوله :
إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ،
فإن كانوا صادقين في إيمانهم فليرضخوا لدستوراته الحكيمة المبتنية على أساس العدل والإحسان . * * * ثمّ يجيء التعقيب العميق الإيحاء ، الّذي ترجف منه النفس المؤمنة ، وتتمنّى لو تنزّل عن الدين كلّه ، ثمّ تمضي ناجية من سخط اللّه يوم الحساب :
وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ
هامش
( 1 ) النحل 16 : 90 .