قال : ويقوّي هذا التأويل المجمع عليه ، أنّ في قراءة عبد اللّه بن مسعود : « لا يقومون » يوم القيامة « إلّا كما يقوم . . . » .
قال : وأمّا ألفاظ الآية فكانت تحتمل تشبيه حال القائم بحرص وجشع إلى تجارة الربا ، بقيام المجنون [ يدوخ في تصرّفاته ] ؛ لأنّ الطمع والحرص الشديد يستفزّه « 1 » حتّى تضطرب أعضاؤه .
وهذا كما تقول لمسرع في مشيه ، مخلّط في هيئة حركاته ، إمّا من فزع أو نحوه : قد جنّ . وقد شبّه الأعشى ناقته في نشاطها ، بالجنون ؛ قال :
وتصبح من غبّ السّرى وكأنّما * ألمّ بها من طائف الجنّ أولق « 2 »
قال : لكن ما جاءت به قراءة ابن مسعود وتظاهرت به أقوال المفسّرين يضعّف هذا التأويل « 3 » .
قال الشيخ محمّد عبده : ما قاله ابن عطيّة أوّلا حسب الاستظهار من اللفظ ، هو المتبادر إلى جميع الأفهام . وأمّا ما ذهب إليه الجمهور فمستنده روايات ضعاف ، ولو لاها لما قال أحد بغير المتبادر الّذي استظهره ابن عطيّة من ألفاظ الآية .
قال : ولقد كان الوضّاعون يختلقون الروايات ، يتحرّون في بعضها ما أشكل عليهم ظاهره من القرآن ، فيضعون له رواية يفسّرونه بها ، وقلّما يصحّ في التفسير شيء ، كما قال الإمام أحمد .
قال : وأمّا ما استظهره ابن عطيّة فهو الظاهر في نفسه ، فإنّ أولئك الّذين فتنهم المال واستعبدهم حتّى ضريت « 4 » نفوسهم بجمعه وجعلوه مقصودا لذاته وتركوا - لأجل الكسب به - جميع موارد الكسب الطبيعي ، إنّ أولئك تخرج نفوسهم عن حدّ الاعتدال الّذي عليه أكثر الناس ، ويظهر ذلك في حركاتهم وتقلّبهم في أعمالهم ، كما تراه في حركات المولعين بأعمال البورصة والمغرمين بالقمار ، يزيد فيهم النشاط [ الهائج ] والانهماك في أعمالهم ، حتّى تكون خفّة تعقّبها حركات غير منتظمة .
قال : وهذا هو وجه الشبه بين حركاتهم وبين تخبّط الممسوس ؛ حيث يضطرب ويخبط خبط عشواء .
قال : وبهذا يمكن الجمع بين هذا المعنى وما قاله الجمهور ؛ ذلك بأنّه إذا كان ما شنّع به على
هامش
( 1 ) استفزّه : استخفّه واستدعاه ، جعله يضطرب . أزعجه ، أخرجه عن حدّ الاعتدال .
( 2 ) الأولق : الجنون أو مسّ منه . والطائف : الطارق ليلا وفي ظلام . أي مسّه طائف الجنّ .
( 3 ) المحرّر الوجيز 1 : 372 .
( 4 ) أي أولعت نفوسهم بذلك .