بيّنّا فساد استنادهم إلى القول بأنّه لا وصيّة لوارث . قال : فأمّا آية الميراث فلا تنافي الوصيّة ، فلا يجوز أن تكون ناسخة لها « 1 » .
قال ابن كثير - بعد أن ذكر حديث مجاهد برواية البخاري - : ثمّ أسند البخاري عن ابن عبّاس مثل ما تقدّم عنه بهذا القول الّذي عوّل عليه مجاهد وعطاء ، من أنّ هذه الآية لم تدلّ على وجوب الاعتداد سنة - كما زعمه الجمهور - حتّى يكون ذلك منسوخا بالأربعة أشهر وعشر ، وإنّما دلّت على أنّ ذلك كان من باب الوصاة بالزوجات أن يمكّنّ من السّكنى في بيوت أزواجهنّ بعد وفاتهم حولا كاملا ، إن اخترن ذلك . ولهذا قال :
وَصِيَّةً لِأَزْواجِهِمْ
أي يوصيكم اللّه بهنّ وصيّة ، كقوله :
يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ ،
وقوله :
وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ .
ولا يمنعن من ذلك لقوله :
غَيْرَ إِخْراجٍ .
فأمّا إذا انقضت عدّتهنّ بالأربعة أشهر والعشر أو بوضع الحمل واخترن الخروج والانتقال من ذلك المنزل فإنّهن لا يمنعن من ذلك .
قال : وهذا القول له اتّجاه وفي اللفظ مساعدة له . وقد اختاره جماعة منهم أبو العبّاس ابن تيميّة « 2 » .
* * * قلت : ومع إباء ظاهر تعبير الآية عن احتمال النسخ ، نراها قد اشتهرت اشتهارا منذ الأوائل بأنّها منسوخة ، هذا عبد اللّه بن الزبير يعترض على عثمان في ثبته لها في المصحف مع علمه بأنّها منسوخة ! فيعتذر عثمان بأنّه وجدها هكذا مثبتة فلم يجرأ على تغييرها أو حذفها .
[ 2 / 7220 ] أخرج البخاري والبيهقي في سننه عن ابن الزبير قال : قلت لعثمان بن عفان :
وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً
قد نسختها الآية الأخرى ، فلم تكتبها أو تدعها ؟ قال : يا ابن أخي ، لا أغيّر شيئا منه من مكانه ! « 3 »
قال ابن كثير : ومعنى هذا الإشكال - الّذي قاله ابن الزبير لعثمان - : إذا كان حكمها قد نسخ
هامش
( 1 ) التبيان 2 : 278 - 279 .
( 2 ) ابن كثير 1 : 304 .
( 3 ) البخاري 5 : 160 - 161 ، كتاب التفسير ؛ البيهقي 7 : 427 ، باب عدّة الوفاة ؛ كنز العمّال 2 : 357 / 4233 ؛ القرطبي 3 :
226 .