فيما سبق من آيات كان الجدل مع أهل الكتاب دائرا حول سيرة بني إسرائيل ومواقفهم المتعنّتة مع أنبيائهم وفي العمل بشرائعهم وفي مواثيقهم وعهودهم ما بين نبذ ونقض وتمرّد وعصيان ، ابتداء من عهد موسى عليه السّلام فإلى عهد ظهور الإسلام وأكثره عن اليهود ، وشيء عن النصارى إلى جنب تمرّدات المشركين ، عند السمات التي كانوا يلتقون فيها مع اليهود وسائر أهل الكتاب .
والآن يرجع السياق إلى مرحلة تاريخيّة أسبق من تاريخ اليهود ، يرجع إلى عهد إبراهيم الخليل عليه السّلام وقصّة إبراهيم - على النحو الذي تساق به في موضعها هنا - تؤدّي دورها في السياق ، كما تؤدّي دورها فيما يعود إلى الجدل بين اليهود والجماعة المسلمة في المدينة من نزاع حادّ متشعّب الأطراف .
إنّ بني إسرائيل ليرجعون بأصولهم إلى إبراهيم عن طريق إسحاق ، ويعتزّون بنسبتهم إليه ، وبوعده تعالى له ولذرّيّته بالنموّ والبركة ، وعهده معه ومع ذرّيّته من بعده ، ومن ثمّ فيحتكرون لأنفسهم الهداية والقوامة على الدين ، كما كانوا يحتكرون لأنفسهم الجنّة أيّا كان ما يعملون ! !
هذا وقريش أيضا كانت لترجع بأصولها إلى إبراهيم عن طريق إسماعيل ، وتعتزّ بنسبتها إليه ، وتستمدّ منها القوامة على البيت وعمارة المسجد الحرام ، وتستمدّ كذلك سلطانها الديني على العرب ، وفضلها وشرفها ومكانتها ! !
الأمر الذي جعل القبيلين يصطدمان في الاحتكار بأصول الاعتزاز والشرف والنبل .
ومن ثمّ وللفصل بين الموقفين يجب عرض هذه الأصول ومدى امتدادها - شرفا وعزّا - في أيّ القبيلين ؟ ! أو لا ذا ولا ذاك ، وإنّما يعتزّ الأبناء بشرف الآباء ، إذا ما حفظوا على السمات الأولى التي كان الآباء يملكونها وكانت موضع عزّهم وشرفهم وإلّا فربّ ولد هو شرّ خلف لخير سلف ! ؟
إذن فالعزّ والشرف إنّما يرثهما الأخلاف المتّبعون لآثار الأسلاف .
إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْراهِيمَ