والقدرة الّتي بها تجاهد مقتضى الشهوات ، وهذا قد خلق ذلك له وعطّله ، فهو الناقص حقّا المدبر يقينا ، ولذلك قيل :
ولم أر في عيوب الناس عيبا * كنقص القادرين على التمام
وينقسم الصبر أيضا باعتبار اليسر والعسر إلى ما يشقّ على النفس فلا يمكن الدوام عليه إلّا بجهد جهيد وتعب شديد ، ويسمّى ذلك تصبّرا . وإلى ما يكون من غير شدّة تعب بل يحصل بأدنى تحامل على النفس ، ويخصّ ذلك باسم الصبر . وإذا دامت التقوى وقوي التصديق بما في العاقبة من الحسنى تيسّر الصبر ، ولذلك قال تعالى :
فَأَمَّا مَنْ أَعْطى وَاتَّقى . وَصَدَّقَ بِالْحُسْنى . فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى
« 1 » . ومثال هذه القسمة قدرة المصارع على غيره ، فإنّ الرجل القويّ يقدر على أن يصرع الضعيف بأدنى حملة وأيسر قوّة بحيث لا يلقاه في مصارعته إعياء ولا لغوب ولا تضطرب فيه نفسه ولا ينبهر « 2 » . ولا يقوى على أن يصرع الشديد إلّا بتعب ومزيد جهد وعرق جبين . فهكذا تكون المصارعة بين باعث الدين وباعث الهوى ، فإنّه على التحقيق صراع بين جنود الملائكة وجنود الشياطين ، ومهما أذعنت الشهوات وانقمعت ، وتسلّط باعث الدين واستولى وتيسّر الصبر بطول المواظبة ، أورث ذلك مقام الرضا فالرضا أعلى من الصبر .
[ 2 / 3856 ] ولذلك قال صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : « اعبد اللّه على الرضا فإن لم تستطع ففي الصبر على ما تكره خير كثير » « 3 » .
وقال بعض العارفين : أهل الصبر على ثلاثة مقامات ، أوّلها : ترك الشهوة ، وهذه درجة التائبين . وثانيها : الرضا بالمقدور ، وهذه درجة الزاهدين . وثالثها : المحبّة لما يصنع به مولاه ، وهذه درجة الصدّيقين .
وليعلم أنّ مقام المحبّة أعلى من الرضا ، كما أنّ مقام الرضا أعلى من مقام الصبر . وكأنّ هذا الانقسام يجري في صبر خاصّ وهو الصبر على المصائب والبلايا .
واعلم أنّ الصبر أيضا ينقسم باعتبار حكمه إلى فرض ونفل ومكروه ومحرّم . فالصبر عن
هامش
( 1 ) الليل 92 : 5 - 7 .
( 2 ) الانبهار : تتابع النفس على أثر الجهد والإعياء .
( 3 ) التحفة السنية ، السيّد عبد اللّه الجزائري : 45 . ورواه الحاكم ( 3 : 541 ) بلفظ : « فإن استطعت أن تعمل بالصبر مع اليقين فافعل فإن لم تستطع فاصبر فإنّ في الصبر على ما تكرهه خيرا كثيرا » .