تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الأثري الجامع — صفحة 124

مساهمون:

ص١٢٤
الجديد باطل وتضيع صلاتكم . وعلى أيّة حال فإنّ هذا النسخ والتغيير في الشريعة ، يتنافى وثبات شريعة اللّه ! وقد كان قوله تعالى :
ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أَوْ مِثْلِها
« 1 » جوابا قاطعا على هذا التشكيك - على ما سلف - . أمّا الآن فجاء دور تبيين حكمة هذا التحويل بشأن قبلة المسلمين بالذات . لقد كان الاتّجاه إلى بيت المقدس أوّلا ، لحكمة تربويّة أشارت إليها الآية :
وَما جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلى عَقِبَيْهِ .
كان صعبا على العرب وهم ما زالوا يعظّمون الكعبة بالذات ويعدّوه عنوان مجدهم القوميّ . غير أنّ الإسلام يريد استخلاص القلوب للّه ، وتجريدها من التعلّق بغيره ، وتخليصها من كلّ نعرة ومن كلّ عصبيّة لغير المنهج الإسلامي المرتبط باللّه - عزّت آلاؤه - ارتباطا مباشرا ، ومتجرّدا عن كلّ ملابسة عنصريّة أو تاريخيّة أو أرضيّة على العموم . . ولذلك فقد نزعهم نزعا من الاتّجاه إلى الكعبة ، واختار لهم الاتّجاه - فترة - إلى المسجد الأقصى ، ليخلص نفوسهم من رواسب الجاهليّة ( العنصريّة والقوميّة ) وليظهر ويلتمع نفوس طيّبة ممّن يتّبع الرسول صلّى اللّه عليه وآله وسلّم اتّباعا مجرّدا من أيّ إيحاء آخر . فلم تكن القبلة القديمة إلّا ليتميّز المتّبع الصادق ممّن ينقلب على عقبيه اعتزازا بنعرة جاهليّة تتعلّق بالجنس والقوم والأرض والتاريخ ، أو تتلبّس بها في خفايا المشاعر وحنايا الضمير ، أيّ تلبّس من قريب أو من بعيد . وبعد هذا كلّه فيجيء دور التعرّض لأقاويل أهل السفاسف من الكلام ، وهم السفهاء من الناس ، يقولون :
ما وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها
وهل هو تحوّل من باطل إلى حقّ أم من حقّ إلى باطل ؟ ! فكان الجواب : أن لا هذا ولا ذاك . بل الأمر اعتبار محض . وقد كانت الحكمة في ذات الاتّجاه الواحد ، فلا يتفرّق المتعبّدون في اتّجاه عباداتهم ، بل الجميع وفي صفّ واحد يتّجهون إلى جهة واحدة . أمّا كون نقطة الاتّجاه كذا أو كذا فهذا لا مساس له في أصل التكليف . فقد يعتبر نقطة مّا ، لمصلحة تقتضيها شرائط الزمان . ويجوز التحويل عنها إلى نقطة أخرى إذا تغيّرت المصالح . شأن
هامش
( 1 ) البقرة 2 : 106 .
التفسير الأثري الجامع — صفحة 124 | الشيخ محمد هادي معرفة