تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الأثري الجامع — صفحة 78

مساهمون:

ص٧٨
تدلّ على أنّه واحد ولا مساس لإحداها بالأخرى فلا تفريع هناك . قال المجلسيّ العظيم « 1 » : هذا الذي ذكروه خلاف ما أثر عن مولانا أمير المؤمنين عليه السّلام حيث قوله في خلق العالم : [ م / 78 ] « ثمّ أنشأ سبحانه فتق الأجواء ، وشقّ الأرجاء ، وسكائك الهواء - إلى قوله - : ثمّ فتق ما بين السماوات العلى ، فملأهنّ أطوارا من ملائكته » « 2 » . [ م / 79 ] وقال - في عجيب صنعته - : ففتقها سبع سماوات بعد ارتتاقها « 3 » . وهذا المعنى هو الذي جاءت الإشارة إليه في آية أخرى في سياقتها ، قال تعالى :
ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَهِيَ دُخانٌ فَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ . فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ
« 4 » . فالدخان - وهي المادّة الأولى لخلق السماوات - هو الأصل ، ومنه تفرّعت السماوات العلى وظهرت إلى الوجود . قوله :
فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ
يدلّ على سبق مادّتهنّ على وجودهنّ ، فأفاض عليهنّ الصور المائزة بينهنّ . ويدلّ عليه أيضا قوله في سورة النازعات :
رَفَعَ سَمْكَها فَسَوَّاها
« 5 » . سوّاهنّ برفع سمكهنّ ، كناية عن تمدّد وتمطّط في جوانبها ، لتأخذ شكلها الخاصّ . ونظرة تفرّع الموجودات من أصل واحد ، فتقا بعد رتق ، نظرة قديمة ، حدّث بها التوراة في أصل التكوين أيضا . قال الإمام الرازيّ - في تأويل قوله تعالى :
أَ وَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا
« 6 » - : كانت اليهود والنصارى ومن يليهم من المشركين عالمين بذلك ، فإنّه جاء في التوراة : « إنّ اللّه تعالى خلق جوهرة ، ثمّ نظر إليها بعين الهيبة فصارت ماء ، ثمّ خلق السماوات والأرض منها وفتق بينها » « 7 » . وتقول النظرة الحديثة : إنّ الكون في أصله سديم ، جمعه سدم « 8 » . والسديم يشبه سحابة من غاز وغبار ، وأصحّ تعبير عنه ما جاء في القرآن : الدخان : كتلة غازيّة هائلة ، كانت النجوم والكواكب وسائر الأجرام العلويّة إنّما وجدت على أثر تكاثف تلك الغازات والغبارات الموجودة في الفضاء .
هامش
( 1 ) مرآة العقول : 25 : 232 . ( 2 ) نهج البلاغة 1 : 17 - 19 ، الخطبة 1 . ( 3 ) المصدر 2 : 191 ، الخطبة 211 . ( 4 ) فصّلت 41 : 11 - 12 . ( 5 ) النازعات 79 : 28 . ( 6 ) الأنبياء 21 : 30 . ( 7 ) التفسير الكبير 22 : 162 . والنسخ الموجودة من التوراة حاليّا فاقدة لهذه العبارة ، ولعلّها ذهبت أدراج سلسلة التحريف ، التي كانت مستمرّة ولا تزال . ( 8 ) والسديم : أصله الضباب أو الرقيق منه . واستعير للمادّة الغازيّة الغباريّة التي تكوّنت منها الأجرام السماويّة . ويطلق عليها اسم « الأثير » في مصطلح العلم القديم وسمّي بالعنصر الخامس غير الخاضع للكون والفساد ، كما في سائر العناصر الأربعة في مصطلحهم .