تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الأثري الجامع — صفحة 73

مساهمون:

ص٧٣
بآيات من سور غيرها ؟ ! * * * لكن هناك شيء يجب أن لا نتغافل عنه ، وهو : ما إذا عرفنا من دأب متكلّم ، أنّ سياقة كلامه متى خطب أو كتب ، ذات أسلوب خاصّ ، لمسناه من صميم تعابيره أو صرّح به خبير بصير ، فهذا يمكن الاتّكال على أساليبه التي دأب عليها ولمسناها عن يقين . وهكذا لو عرفنا منه الاتّجاه نحو مرمى خاصّ ، في متنوّع كلامه ومختلف مواقفه من خطاب وعتاب . فهذا أيضا يجوز الاعتماد على أسلوبه العامّ ، في سبيل فهم مراداته من متعدّد أقواله ، لأنّها جميعا مركّزة حول محور خاصّ وإن تعدّدت المواقف . فتلك الوحدة الموضوعيّة ، هي التي ربطت متنوّع كلامه ، ليصبح المجموع في حوزة واحدة محيطة بالأطراف . الأمر الذي أكّد عليه علماء التفسير في مجموعة آيات كلّ سورة ، بل وفي مجموعة آيات القرآن كلّه . قال تعالى :
اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتاباً مُتَشابِهاً مَثانِيَ
« 1 » . قوله : « متشابها » أي يشبه بعضه بعضا . من غير ما اختلاف في التعبير والأسلوب وفي نسق البيان ولحن الخطاب . وقوله :
« مَثانِيَ
جمع مثنيّة بمعنى المعطوفة ، لانعطاف بعض آية على بعض ، ورجوع بعضه إلى بعض ، بحيث يتبيّن بعضها من بعض ويشهد بعضها على بعض من غير اختلاف يؤدّي إلى دفع بعضه ببعض أو يناقض بعضه بعضا ، لا في الفحوى ولا في المؤدّى ، بل ولا في الأسلوب ولحن البيان . قال تعالى :
أَ فَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً
« 2 » . نعم كان القرآن في مجموعه وحدة متماسكة الأجزاء متضامنة الأشلاء ، في تراصّ وتناسق ووئام وانسجام تامّ ، لا تفرقة بين أبعاضه ولا اختلاف بين أنحاء آياته .
كِتاباً مُتَشابِهاً :
متماثلا أساليب بيانه ومتناسبا ألحان خطابه ، يجري أوّله على آخره ، وآخره على أوسطه ، على نمط واحد في الأداء والإيفاء . فكان القرآن - على مختلف مطالبه ومتنوّع مقاصده - ذا سياق واحد من البدء فإلى الختم . ومن ثمّ : [ م / 73 ] كان « يشهد بعضه على بعض ، وينطق بعضه ببعض » ، كما قال الإمام أمير المؤمنين -
هامش
( 1 ) الزّمر 39 : 23 . ( 2 ) النساء 4 : 82 .