تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الأثري الجامع — صفحة 47

مساهمون:

ص٤٧
يقول الإمام الحافظ تقيّ الدّين ابن الصلاح - في فتاواه وقد سئل عن كلام الصوفيّة في القرآن - : الظنّ بمن يوثق به منهم أنّه إذا قال شيئا من أمثال ذلك ، أنّه لم يذكره تفسيرا ولا ذهب به مذهب الشرح للكلمة المذكورة من القرآن العظيم ؛ فإنّه لو كان كذلك كانوا قد سلكوا مسلك الباطنيّة ، وإنّما ذلك ذكر منهم لنظير ما ورد به القرآن ، فإنّ النظير يذكر بالنظير . ومن ذلك قتال النفس في الآية الكريمة :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ
« 1 » . فكأنّه قال : أمرنا بقتال النفس ومن يلينا من الكفّار ، ومع ذلك فياليتهم لم يتساهلوا في مثل ذلك ، لما فيه من الإبهام والإلباس « 2 » . يعني : أنّ ما يذكرونه بهذا الشأن لا يعنون به التفسير ولا تأويل الآية بذلك ، وإنّما الشيء يذكر بالشيء من باب « تداعي المعاني » فيخطر ببالهم خواطر هي نفحات قدسيّة ملكوتيّة عند تلاوة الآي أو استماعها عن وعي وحضور قلب . فهم عندما يستمعون إلى نداء الآية العامّ يراجعون أنفسهم ، وفي طيّهم كافر عات هو أقرب إليهم وأخطر من الكفّار البعداء ، فيجب مقاتلته قبل مقاتلة سائر الكفّار ، أخذا بقياس الأولويّة في منطق العقل الرشيد . وهذا معنى قول سهل : النفس كافرة فقاتلها بالمخالفة لهواها ، واحملها على طاعة اللّه والمجاهدة في سبيله وأكل الحلال وقول الصدق وما قد أمرت به من مخالفة الطبيعة « 3 » . فهذا المعنى العرفاني الرقيق مستفاد من فحوى الآية ومستنبط من بطنها بالمناسبة من غير أن يكون ذا صبغة تفسيريّة أو بيانا للمراد من الآية بالذات . وقد صرّح بذلك الإمام القشيري في تفسيره للبسملة ، قال : وقوم عند ذكر هذه الآية يتذكّرون من الباء برّه بأوليائه ، ومن السين سرّه بأصفيائه ، ومن الميم منّته على أهل ولايته . فيعلمون أنّهم ببرّه عرفوا سرّه ، وبمنّته عليهم حفظوا أمره ، وبه سبحانه وتعالى عرفوا قدره ، إلى آخر ما ذكره بهذا الصدد . « 4 » تراه لم يجعله تفسيرا للآية ، وإنّما هو تذكّر قلبي عند استماعها أو استماع حروفها من قبيل الخواطر القلبيّة محضا ، من غير أن يكون تحميلا على القرآن أو تفسيرا بالرأي .
هامش
( 1 ) التوبة 9 : 123 . ( 2 ) راجع : التمهيد 10 : 448 - 449 ، عن فتاوى ابن الصلاح : 29 ( الذهبي 2 : 368 ) . ( 3 ) راجع : تفسير السلمي 1 : 292 . ( 4 ) تفسير لطائف الإشارات للقشيري 1 : 56 .