الحقيقي . وإنّما أطلق عليه الأب توسّعا ، كما هو جار في اللغة ومعروف لدى سائر الأقوام « 1 » .
انظر إلى هذه الدقّة الفائقة في معالجة أخبار كانت سقيمة ومتنافرة مع نصّ الكتاب والمستفاد من أصول المعارف الإسلاميّة العريقة .
وللأستاذ الشيخ محمّد عبده أيضا مواقف مشهودة تجاه تلكم الأخبار الضعيفة ولا سيّما الإسرائيليّات ، فقد أبان فضحها وفنّدها تفنيدا بالغا ، ونقدها في ضوء نور العقل وهدي الكتاب العزيز . نذكر منها :
قال تعالى :
هُنالِكَ دَعا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعاءِ . فَنادَتْهُ الْمَلائِكَةُ وَهُوَ قائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيى مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّداً وَحَصُوراً وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ . قالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عاقِرٌ قالَ كَذلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ ما يَشاءُ . قالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزاً وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيراً وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكارِ
« 2 » .
ذكر أرباب النقل في التفسير هنا ، في وجه سؤال زكريّا ربّه أن يجعل له آية ، ما يتنافى ومقام الأنبياء وكرامتهم عند اللّه ، قالوا : إنّه شكّ - على أثر وسوسة إبليس - أنّ الذين بشّروه كانوا هم الملائكة أم الشياطين سخروا به ، فعاقبه اللّه بعقد لسانه ثلاثة أيام لا يقدر على التكلّم ، لمكان شكّه وتأثّره بوسوسة إبليس .
قال الطبري - في تأويل قوله
رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً :
يعني بذلك ( جلّ ثناؤه ) خبرا عن زكريّا قال :
ربّ إن كان هذا النداء الذي نوديته والصوت الذي سمعته صوت ملائكتك وبشارة منك لي فاجعل لي آية ، يقول : علامة أنّ ذلك كذلك ، ليزول عني ما قد وسوس إليّ الشيطان فألقاه في قلبي من أنّ ذلك صوت غير الملائكة وبشارة من عند غيرك :
[ م / 354 ] روى بإسناده عن السّدّي : أنّ زكريّا لما سمع نداء الملائكة بالبشارة ، جاءه الشيطان فقال له : إنّ الصوت الذي سمعت ليس هو من اللّه ، إنّما هو من الشيطان يسخر بك . ولو كان من اللّه أوحاه إليك كما يوحي إليك في غيره من الأمر ، فشكّ زكريّا مكانه وقال : أنّى يكون لي غلام « 3 » .
[ م / 355 ] وهكذا روى بإسناده عن عكرمة قال : فأتاه الشيطان فأراد أن يكدر عليه نعمة ربّه ، فقال : هل تدري من ناداك ؟ قال : نعم ناداني ملائكة ربّي ! قال : بل ذلك الشيطان ! لو كان هذا من ربّك
هامش
( 1 ) الميزان 7 : 168 - 171 وراجع ما كتبناه هنا بتفصيل في التمهيد 7 : 66 - 69 .
( 2 ) آل عمران 3 : 37 - 41 .
( 3 ) الطبري 3 : 350 / 5507 .