تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الأثري الجامع — صفحة 120

مساهمون:

ص١٢٠
بعد أن كان المأثور عن ابن عبّاس منقولا عن طريق متخرّجي مدرسته ممّن يعدّ من أعلام التابعين . وهكذا المنقول عن سائر الأصحاب . إنّ ذلك لممّا يدلّ على مبلغ الاهتمام بتفاسيرهم والإجلال بمقامهم الرفيع . وليس إلّا لأنّهم أقرب عهدا بنزول الوحي ، وأطول باعا في الإحاطة بأسباب النزول ، وأسهل تناولا لفهم معاني القرآن الكريم . فإنّ القرآن قد نزل بلغة العرب وعلى أساليب كلامهم المألوف ، وقد كان الأوائل أصفى ذهنا وأقرب تناوشا لتصاريف اللغة ومجاري ألفاظها وتعابيرها . إنّهم أعرف بمواضع اللغة في عهد خلوصها ، وأطول يدا في البلوغ إلى مجانيها من ثمرات وأعواد . كما أنّهم أمسّ جانبا بأحاديث الرسول صلّى اللّه عليه وآله وسلّم والعلماء من صحابته الأعلام . فهم أقرب فهما لأبعاد الشريعة في أصولها والفروع ، والإحاطة بجوانب الكتاب والسنّة والسيرة الكريمة . فكان الاهتمام بشأنهم ، والرجوع إلى آرائهم ونظراتهم ، ومعرفة أقوالهم في التفسير ، إنّما هو لمكان تقدّمهم وسبقهم في مسرح الدّين الحنيف ، شأن كلّ خلف يرجع إلى آراء سلفه ، لا ليتقلّدها أو يتعبّد بها ، بل ليستعين بها ويستفيد في سبيل الوصول إلى أقصاها ، والصعود على أعلاها ، فكان تمحيصا وتحقيقا في الاختيار ، لا تقليدا أو تعبّدا برأي ! ولا شكّ أنّ الإحاطة بآراء العلماء سلفا وخلفا ، لهي من أكبر عوامل التوسعة في الفكر والإجالة في النظر والإنتاج ، وبالتالي أكثر توسّعا في العلوم والمعارف والصعود على مدارج الفضيلة والكمال . هكذا تقدّم العلم وازدهرت معارف الإنسان على طول الزّمان . فلآراء السلف قيمتها ووزنها في سبيل الرقيّ على مدارج الكمال ، ولولاه لتوقّف العلم على نقطته الأولى ، ولم يخط خطواته الواسعة في مسيرته هذه الحثيثة ، نحو التكامل والازدهار . قال الإمام بدر الدين الزركشي : وفي الرجوع إلى قول التابعي روايتان عن أحمد . واختار ابن عقيل المنع وحكوه عن شعبة . لكن عمل المفسّرين على خلافه وقد حكوا في كتبهم أقوالهم . قال : وهذه تفاسير القدماء المشهورين ، وغالب أقوالهم تلقّوها من الصحابة « 1 » . وقال الحافظ أبو أحمد ابن عديّ : للكلبي « 2 » أحاديث صالحة وخاصّة عن أبي صالح ، وهو
هامش
( 1 ) البرهان 2 : 158 . ( 2 ) هو أبو المنذر هشام بن أبي النضر محمّد بن السائب الكلبي الكوفي . كان أعلم الناس بالأنساب ، وكان إلى جنب علمه بالأنساب عالما بالتفسير كبيرا . صحب الإمامين الباقر والصادق عليهما السّلام . توفّي سنة 146 .
التفسير الأثري الجامع — صفحة 120 | الشيخ محمد هادي معرفة