تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير القرآنى للقرآن — صفحة 840

مساهمون:

ص٨٤٠
وفي المرحلة الثالثة هذه ، يخلو العقل بنفسه ، ما شاء له أن يخلو ، فيعيد عرض الأمر في هدوء ، ويقلب وجوهه في سعة من الوقت ، وحرية من العمل . . وقد يظل هكذا زمنا يبلغ عمر الإنسان كله ، دون أن يصل إلى الرأي الذي يطمئن إليه ، وقد تطلع عليه شمس الحقيقة في لحظة خاطفة ، وعلى غير انتظار ! هذا ، ويلاحظ - وهذا إعجاز من إعجاز القرآن الكريم - أن الآية الكريمة ، لم تذكر المرحلة الأولى وبدأت بالمرحلة الثانية ، وهي لقاء عقل الإنسان بعقل غيره ، ومقابلة تفكيره بتفكير غيره وذلك ، أن المرحلة الأولى ، هي مرحلة مشتركة في الناس جميعا ، فإن أي إنسان عاقل ، لا يمكن أبدا أن تخلو نفسه من خواطر ، ووساوس ، عن التفكير في « الإله » . . أما الذي هو غير واقع في الناس جميعا ، فهو عرض هذه الخواطر والوساوس على عقول الآخرين . . فهناك كثير من الناس يعيشون مع ما يطرقهم من خواطر ووساوس ، دون أن يعرضوها على أحد ، بل يمسكون بها في صدورهم حتى يموتوا بها ، تماما كما يمسك بعض المرضى ، بأمراضهم ، دون أن يطبّوا لها ، وأن يعرضوها على أهل الذكر والمعرفة بأدواء الأجسام وعللها . . كما يلاحظ - وهذا إعجاز من إعجاز القرآن الكريم أيضا - أن الآية الكريمة حصرت التفكير في دائرة الفرد نفسه ، ثم لم تتجاوز به أكثر من فرد وفرد . . وهذا يعنى أن العقل إنما يكون في أحسن حالاته ، حين يفكر وحده ، أي حين ينفرد بالتفكير فيما تجمّع لديه من حصيلة من الأفكار والآراء ، يردّها إلى نفسه ، ويقلبها بين يديه . . فهذا الذي يحقق للعقل ذاتيته ، ويعطيه وجوده ، ويمكن له من سلطانه . . فإذا كان ولا بد من مشاركة أحد ، فليكن ذلك في أضيق الحدود ، ومع عقل آخر ، هو أشبه بالمرآة التي يرى فيها الإنسان ذاته . . أما التفكير الجماعي ، وخاصة في أمر يتصل بالضمير ، كالإيمان باللّه واليوم الآخر ، فإنه يشوش على العقل ،