ولم يذكر القرآن هنا أبصارهم ، ولم يستدعها كما استدعى قلوبهم وآذانهم . . ولكن أشار إليها ضمنا ، في قوله تعالى :
« فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ »
. . فكأنه قال : أما أبصارهم فلا وزن لها إذا لم تكن هناك القلوب التي تتلقى عنها ، وتعى ما يجئ إليها منها . .
فأبصارهم معهم ، وهي سليمة لا عيب فيها ، ولكنهم مع هذا هم عمى ، لأن العمى ليس عمى الأبصار ، ولكنه عمى القلوب التي في الصدور .
- وفي قوله تعالى :
« الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ »
توكيد للقلوب ، وأنها هي المرادة هنا ، على سبيل الحقيقة لا المجاز ، وذلك لئلا ينصرف مفهوم القلوب إلى العقول ، كما يحدث ذلك كثيرا .
وقد وصفت القلوب هنا بأنها تعقل وتدرك . . فكان تحديد مكانها أمرا لازما ، حتى يتقرر أنها المقصودة بذاتها ، وليست العقول . .
واختصاص القلب بالذكر ، والنظر إليه على أنه مركز الإدراك والإلهام ، في هذا المقام ، لأن الدّين عقيدة ، والعقيدة أساسها الحبّ والامتثال والولاء ، والقلب هو منبع هذه المشاعر ، ومصدر تلك العواطف . .
وحقّا ، إن للعقل مكانه البارز في إدراك الحقائق الدينية ، وتصوّرها ، وإنه بغير هذا الإدراك وذلك التصور لا تقع هذه الحقائق من القلب موقع الحبّ ، والتقدير ، والتقديس . . ولكن القرآن الكريم ينظر إلى القلب ، لا باعتباره مصدر العواطف والمشاعر وحسب ، بل ينظر إليه كذلك نظرة وظيفية ، كعضو عامل في كيان الإنسان . . فهو - من هذه الجهة - مركز الحياة في الإنسان ، بل وفي كل عالم الحيوان - حيث يمدّ الجسم كلّه بالدّم المتدفق منه في العروق والشرايين ، ولو توقف لحظات لمات الكائن الحىّ ، وأصبح جثة هامدة . . ومن هنا كان نبض القلب هو الإشارة الدالة على وجود الحياة