بِغَيْرِ الْحَقِّ ذلِكَ بِما عَصَوْا وَكانُوا يَعْتَدُونَ »
بيان لجرائمهم التي استحقوا عليها هذا العقاب الأليم . . فقد كفروا بآيات اللّه ، وجحدوا النعم التي غمرهم اللّه بها ، وغيّروا وبدّلوا في كلمات اللّه ، حسب ما أملت عليهم أهواؤهم ، وسوّلت لهم أنفسهم ، ثم تمادوا في كفرهم وضلالهم فمدوا أيديهم بالأذى إلى رسل اللّه ، الذين حملوا إليهم ما حملوا من نعم اللّه ، وبلغ بهم الأمر في هذا إلى أن استباحوا دم بعض هؤلاء الأنبياء ! .
وفي قوله تعالى :
« وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ »
ما يكشف عن طبعهم اللئيم ، الذي يرى الحق رأى العين ، فيكتمه وينكره ، ويقيم الباطل مقامه . .
فهم إذ يقتلون من قتلوا من الأنبياء ، يعلمون عن يقين أنّ هؤلاء الذين مدّوا إليهم أيديهم بالقتل ، هم أنبياء اللّه ، ولكن جاءوهم بما لا تشتهى أنفسهم ، وعلى غير ما كانت تراودهم به أحلامهم . . فالمسيح - مثلا - الذي وقفوا منه هذا الموقف اللئيم ، والذي دبروا له القتل صلبا ، إنّما أنكروه وأنكروا آياته المشرقة إشراق الشمس في يوم صحو ، لأنه جاءهم بغير ما كانوا يحلمون به ، من مسيح بعيد إليهم ملك سليمان ، ودولته ، ويمكّن لهم في الأرض على رقاب النّاس ، إذ جاءهم بالدعوة إلى التخلص من هذا الداء المتمكن فيهم ، وهو حبّ الحياة ، والاستكثار من متاعها . . فرفضوه ، ثم أنكروه ، ثم مكروا به ليصلبوه ، ولم تسترح أنفسهم إلا بعد أن أيقنوا أنهم صلبوه . . وفي هذا يقول اللّه تعالى :
« أَ فَكُلَّما جاءَكُمْ رَسُولٌ بِما لا تَهْوى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ ، فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ »
( 87 : البقرة ) .
واللّه سبحانه وتعالى يقول :
« وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ » *
أي إلا بما يوجب قتلها ، كأن تقتل نفسا عمدا ، أو تحادّ اللّه ورسوله والمؤمنين . . ورسل اللّه لا يكون ذلك منهم أبدا ،