تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اعراب القرآن الكريم وبيانه — صفحة 357

مساهمون:

ص٣٥٧
قوله فيما بعد « فتلك مساكنهم لم تسكن إلا قليلا » أي لقد زهوا بها حينا من الدهر وغرتهم الأماني ، وأبطرتهم النعمة ، وكان ديدنهم ديدن المترفين الرافلين في حلل السعادة ، فما عتموا أن فنوا وطوتهم الأيام وبقيت آثارهم شواخص ، أطلالا باهتة ، ورسوما محيلة ، تهزأ بهم ، وتدل الآخرين على أفن رأيهم وطيش أحلامهم . وقد رمق المتنبي سماء هذه البلاغة العالية في قصيدته الخالدة التي رثى بها أبا شجاع فاتكا فقال بيته المشهور :
تتخلف الآثار عن أصحابها * حينا ويدركها الفناء فتتبع
يريد أن الآثار ، وهي البنيان ، تبقى بعد أربابها لتدل على تمكنهم وقوتهم وسطوتهم ثم ينالها بعدهم ما نالهم من الفناء وأن الخراب سيدركها فتذهب الآثار كما ذهب المؤثرون لها فهذه هي عادة الدنيا بأهلها ، وهذا هو المعهود من تصاريفها ، ويحسن بنا أن نورد لك نخبة مختارة من هذه القصيدة جريا على شرطنا في هذا الكتاب :
الحزن يقلق والتجمل يردع * والدمع بينهما عصيّ طيّع
يتنازعان دموع عيد مسهّد * هذا يجيء بها وهذا يرجع
النوم بعد أبي شجاع نافر * والليل معي والكواكب ظلّع
قال ابن جني « لو كان الليل والكواكب مما يؤثر فيهما حزن لأثر فيهما موته » وقال الخطيب : « إنما أراد أن الليل طويل لفقده فالليل معي والكواكب ظلع ما تسير » وقال الواحدي « النوم بعده لا يألف العين
اعراب القرآن الكريم وبيانه — صفحة 357 | محيي الدين الدرويش