ألم تر أن السحرة لم يتكلفوا تغليط الناس والتمويه عليهم إلا بالعصا ولا عارضهم موسى إلا بعصاه ، ألا ترى أنهم لما سحروا أعين الناس واسترهبوهم بالعصي والحبال لم يجعل اللّه للحبال من الفضيلة في إعطاء البرهان ما جعل للعصا ؟ وقدرة اللّه على تصريف الحبال في الوجوه كقدرته على تصريف العصا .
ثم تحدث الجاحظ بأسلوبه العذب السمح عن الشجر ومنافعها مما تأتي الإشارة إليه في حينه ، وأورد قصصا مأثورة عن الانتفاع بالعصا ، وما كان لها عند العرب من شأن فأورد قصة عامر بن الظرب العدواني - حكم العرب في الجاهلية - لما أسنّ واعتراه النسيان أمر بنته « عمرة » أن تقرع بالعصا إذا هو فهّ عن الحكم وجار عن القصد وكانت من حكيمات بنات العرب ، حتى جاوزت في ذلك مقدار صحر بنت لقمان ، وهند بنت الخس وخمعة بنت حابس وكان يقال لعامر ذو الحلم ولذلك قال الحارث بن وعلة :
وزعمتم أن لا حلوم لنا * إن العصا قرعت لذي الحلم
وقال الفرزدق :
فإن كنت أنساني حلوم مجاشع * فإن العصا كانت لذي الحلم تقرع
قلت :
قلت : هذا ما رواه الجاحظ بصدد قرع العصا ، وليس هذا القول حاسما ففي أول من قرعت له العصا خلاف طويل فقيل هو عامر