مع كون التوبة مقبولة كما في الآية الأولى وكما في قوله تعالى : « وهو الذي يقبل التوبة عن عباده » وغير ذلك ، فقيل : لن تقبل توبتهم عند الموت . قال النحاس : وهذا قول حسن ، كما قال تعالى : « وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال :
إني تبت الآن » . وقيل : الأولى أن يحمل عدم قبول التوبة في هذه الآية على من مات كافرا غير تائب ، فكأنه عبر عن الموت على الكفر بعدم قبول التوبة ، أو تابوا في الآخرة عند معانية العذاب ، كما أشير إليه بقوله تعالى : « ولو ترى إذ المجرمون ناكسو رؤوسهم عند ربهم ربنا أبصرنا » إلخ وبقوله تعالى : « فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا » .
4 - الواو المصاحبة للشرط تستدعي شرطا آخر يعطف عليه الشرط الذي اقترنت الواو به ، والعادة في مثل ذلك أن يكون المنطوق منبها على المسكوت عنه بطريق الأولى . مثاله قولك : أكرم فلانا ولو أساء ، فهذه الواو عطفت المذكور على محذوف تقديره : أكرم فلانا لو أحسن ولو أساء ، إلا إنك نبهت بإيجاب إكرامه ان أساء ، على أن إكرامه إن أحسن بطريق الأولى ، والافتداء بملء الأرض ذهبا هو جدير بالقبول ، فإن لم يقل فبطريق الأولى أن لا يقبل الافتداء بأقل من ذلك ، وهذا من دقائق النكت وأسرار لغتنا التي لا تقف عند مدى .
[ سورة آلعمران ( 3 ) : الآيات 92 إلى 94 ]
لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَما تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ ( 92 ) كُلُّ الطَّعامِ كانَ حِلاًّ لِبَنِي إِسْرائِيلَ إِلاَّ ما حَرَّمَ إِسْرائِيلُ عَلى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْراةُ قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْراةِ فَاتْلُوها إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ( 93 ) فَمَنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ( 94 )