تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من وحي القرآن — صفحة 331

مساهمون:

ص٣٣١
وفي ما ينفذونه من خططه ومشاريعه . وهكذا نجد في هذه المرأة المؤمنة التي عاشت في أعلى درجات السلم الاجتماعي ، التي يضعف الأقوياء أمامها فيسقطون وتسقط معهم مبادئهم ، المثال الحيّ للمرأة القويّة التي تجمعت فيها كل عناصر القوّة ، من الروحية العالية ، والإرادة الحديدية ، والوعي العميق لكل خلفيات الواقع الفاسد الذي يحيط بها ، لتعطي الدرس الكبير لكل الذين يتعلّلون في تبرير انحرافهم بالبيئة الفاسدة التي يعيشون فيها ، فلا يملكون إلا الخضوع لضغوطها الشديدة ، لتقول لهم بأنهم لم يبلغوا في انحراف مجتمعهم ما بلغه مجتمعها الخاص والعام من خطورة الانحراف ، ولم يعيشوا في قلب الإغراء كما عاشت فيه ، ولكن الفرق بينها وبينهم ، أنهم عاشوا الانبهار بالواقع المحيط بهم ، عندما استغرقوا فيه ، فسقطوا في أوحاله ، أمّا هي فقد ارتفعت بروحها وعقلها عنه ، وحدّقت فيه تحديقه الإنسان الواعي الذي يريد أن يرى العمق الداخلي ليكتشف ما في داخله من أوساخ وأدران ونقاط ضعف ، ليتخذ موقفه من خلال وعي العمق ، لا من خلال سذاجة السطح . وبذلك ، استطاعت أن تتجاوز الضعف الأنثوي ، لترتفع إلى درجة القوة الإنسانية الإيمانية التي تتقدم فيها على الرجال في إرادتها القوية وقرارها الحاسم ، لتكون أمثولة للرجال والنساء من المؤمنين ، ليرتفعوا إلى مواقع السموّ التي بلغتها من خلال الوعي الإيماني في شخصيتها الإنسانية .
وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَها
في تعبير كنائي عن طهارتها وعفتها التي استطاعت أن تحافظ عليها من خلال قوّتها الروحية الإيمانية ، وأن تواجه قومها الذين أرادوا أن يتهموها في أخلاقها ، بكل قوّة وصلابة وشموخ فلم تضعف أمامهم ، فاستمدت القوّة من اللّه
فَنَفَخْنا فِيهِ مِنْ رُوحِنا
فجعلناها وابنها آية للعالمين
وَصَدَّقَتْ بِكَلِماتِ رَبِّها وَكُتُبِهِ
التي أوحى بها إلى رسله