تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من وحي القرآن — صفحة 74

مساهمون:

ص٧٤
وربما همّوا بالهروب ، تماما كما هو الإنسان عندما يدهمه الخطر فيحاول الفرار منه ، ولكن إلى أين يهربون
فَلا فَوْتَ
فإن اللَّه لا يفوته أحد من عباده مهما كان قويا ، إذا أراد أن يأخذه ،
وَأُخِذُوا مِنْ مَكانٍ قَرِيبٍ
لأن اللَّه أقرب إلى الإنسان من نفسه ، فلا مجال لأيّ فاصل يفصله عنه . . وقد جرى التعبير عنه بلحاظ الأمور المادية ، لأننا لا نستطيع تصوّر الجانب التجريدي من حقائق الغيب التي لا يحيط بها إلا اللَّه .
وَقالُوا آمَنَّا بِهِ
أي بالقرآن أو بالنبي ، أو بالإسلام عندما واجهوا المصير الذي يكشف لهم حقيقة الآخرة ،
وَأَنَّى لَهُمُ التَّناوُشُ
أي التناول ، أي الرجوع إلى خط الإيمان
مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ
وهو عالم الآخرة الذي لا مجال فيه لتغيير المواقف ، لأن الدنيا هي الفرصة الوحيدة لذلك كله ، وهي بعيدة عنهم الآن كل البعد ، لأن الرجوع إليها مستحيل من خلال رفض اللَّه لذلك ، وهو الذي يملك الأمر كله .
وَقَدْ كَفَرُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ
من دون حجّة ولا برهان ، وكانت الحجة على الحق واضحة أمامهم وضوح الشمس
وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ
فقد كانوا يرمون حقائق الإيمان بأضاليلهم وأوهامهم وينكرون الآخرة من مواقعهم في الدنيا ، البعيدة عنها .
وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ ما يَشْتَهُونَ
من اللذائذ والشهوات المادية التي كانوا يعيشون من أجلها في الدنيا ، وجاءهم الموت لينهي كل شيء من أمورهم الحسية الذاتية
كَما فُعِلَ بِأَشْياعِهِمْ مِنْ قَبْلُ
من الأمم الماضية التي كفرت كما كفروا ، وتمرّدت كما تمردوا
إِنَّهُمْ كانُوا فِي شَكٍّ مُرِيبٍ
كما كانت الأنبياء تذكّرهم به من الحق أو من الآخرة ، ولكنه الشك الذي لا يخضع لتحليلات فكرية ، بل يخضع للأوهام الطائرة التي لا ترتكز على أساس الفكر العميق .
من وحي القرآن — صفحة 74 | السيد محمد حسين فضل الله