أمره ، ويبتعد به عن مواقع الاهتزاز والفساد والسقوط ، وجعلت لكل شيء قدرا .
وانتبه موسى إلى الصوت الإلهيّ بكل وعيه وشعوره ، وعاش معه في ذهول وخشوع ، ووقف ينتظر المزيد . ماذا بعد ذلك ؟ وما هي المهمّة الإلهية الموكولة إليه ؟ وجاءت المفاجأة الثانية .
موسى أمام المفاجأة الإعجازية
وَأَلْقِ عَصاكَ
وألقاها من دون أن يعرف كيف ولماذا هذا الأمر الغريب ،
فَلَمَّا رَآها تَهْتَزُّ كَأَنَّها جَانٌّ
مما كان يتخيله من صورة الجان الذي يتحرك ويتلوى ويرتفع ويهبط
وَلَّى مُدْبِراً
واستمر في هروبه من هذه الحية الصغيرة السريعة الحركة ، التي فسّر بها بعض كلمة الجان ،
وَلَمْ يُعَقِّبْ
ولم يعد إلى مكانه بما يتمثل بالخوف الغريزيّ الذي يستسلم إليه الإنسان عند وجود ما يثيره ، بشكل عفويّ ، وبالحيرة القلقة أمام هذا الحدث المفاجئ المرعب ،
يا مُوسى لا تَخَفْ إِنِّي لا يَخافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ
فأنت هنا أمام اللّه ولم يحدث ما حدث لك إلا بأمره ، فكيف تخاف وأنت في أمنه وقد أعطاك الدور الكبير في حياتك وحياة الناس وهو الرسالة الإلهية التي أدراك أن تبلغها للناس ؟ وإذا كان الأمر كذلك فكيف يخاف لديه المرسلون ، وهو الذي تكفل لهم بالأمن والنصرة والتأييد ؟ وكان هذا أوّل إعلان للرسالة بشكل عفويّ غير مباشر .
وهكذا يؤكد لنا القرآن نقاط الضعف البشري لدى الأنبياء بشكل طبيعيّ غريزي ، ثم يتدخل الوحي ليثبّت النبيّ في وعيه لعناصر القوّة في ذاته ، بما يحشده اللّه من تعاليمه ، وما يفيض عليه من ألطافه ، وما يثيره النبي في تجربته من إرادته .