تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من وحي القرآن — صفحة 240

مساهمون:

ص٢٤٠

إعطاء المواثيق

وتمت المسألة بسلام ، وحصلوا على الموافقة ، التي أرادوها في شأن إرسال أخيهم معهم ، وبدأوا يفتحون الأكياس ، وهنا كانت المفاجأة ، فهذا هو متاعهم الذي دفعوه للعزيز بدلا عن الطعام الذي اشتروه منه بمثابة الحجة القاطعة على ما يؤكد الثقة بالعزيز ، وحسن إخلاصه لهم ، وأنه لا يريد بهم إلا خيرا ،
وَلَمَّا فَتَحُوا مَتاعَهُمْ وَجَدُوا بِضاعَتَهُمْ رُدَّتْ إِلَيْهِمْ قالُوا يا أَبانا ما نَبْغِي
وما نريد أكثر من هذا الذي فاجأنا الآن ، ولم نكن على علم به عندما فارقنا العزيز ،
هذِهِ بِضاعَتُنا رُدَّتْ إِلَيْنا
فلننطلق على بركة اللَّه من موقع الثقة ، بقلب قويّ مطمئن
وَنَمِيرُ أَهْلَنا
ونجلب لهم الطعام ،
وَنَحْفَظُ أَخانا
بما نحفظ به أنفسنا من كل سوء ،
وَنَزْدادُ كَيْلَ بَعِيرٍ ذلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ
في ما نؤمله من كرم العزيز الذي شاهدناه ،
قالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقاً مِنَ اللَّهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلَّا أَنْ يُحاطَ بِكُمْ
فقد كان القلق يفترس مشاعره ، ويأكل قلبه ، مما جعله يعيش الصراع بين الإذن لهم في اصطحابه معهم ، وبين الامتناع عن ذلك ، لأن تجربته السابقة معهم كانت حاضرة في ذهنه وقلبه وتوحي له بعدم الثقة بهم . إنه يبحث عن أساس للثقة ، لا مجال لتحصيله إلا بالكشف عن المستقبل من خلال الغيب ليحصل على الاطمئنان ، فطلب منهم أن يعطوه المواثيق على الالتزام بحمايته ، بكل ما يملكون من إمكانات ووسائل ، بحيث يستنفدون كل إمكاناتهم في هذا السبيل ، ولا يبقى لهم مجال لاستخدام أية وسيلة ممكنة إلا إذا كان هناك جمع كبير يحيط بهم مما لا يستطيعون الثبات أمامه ، وهذا ما يعذر به الناس في مثل هذه الأمور . وهكذا طلب منهم أن يحلفوا ، ويعطوا المواثيق والعهود على ذلك كله
فَلَمَّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ قالَ اللَّهُ عَلى ما نَقُولُ وَكِيلٌ
فهو الشاهد على ذلك ، وهو الكفيل بإتمامه ، لأنه المهيمن على الأمر كله .
من وحي القرآن — صفحة 240 | السيد محمد حسين فضل الله