يستريح إليه السجين ويرتاح للحديث معه ، ليخفّف من وحشته ، وهكذا بدأ الحديث في شؤون كثيرة متنوّعة ، وكان هذان الشخصان قد شاهدا في منامهما ، حلمين غريبين أثارا في نفسيهما القلق والحيرة ، لأنهما لم يستطيعا فهم السرّ الذي يكمن خلفهما فأحبّا أن يحدّثا يوسف عنهما ، فلعلهما يجدان لديه التفسير الواضح الذي يكشف لهما هذا الغموض ، فقد لاحظا امتلاكه لفكر هادئ ، وعقل متحرك ، وشخصية حكيمة ، وهذا ما جعلهما يمنحانه الثقة الكبيرة .
إحسانه جذبهما إليه
قالَ أَحَدُهُما إِنِّي أَرانِي أَعْصِرُ خَمْراً
ولم أستطع معرفة المضمون الواقعي لذلك في ما يحيط بحركة الحياة من حولي ،
وَقالَ الْآخَرُ إِنِّي أَرانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزاً تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ
فما معنى الخبز ؟ وما سرّ حمله على الرأس ؟ وماذا يمثل أكل الطير منه من رمز ؟ فهل هو رمز للنعمة أو للعطاء ، أو هو رمز للنقمة والفناء ؟
نَبِّئْنا بِتَأْوِيلِهِ
لأن للأحلام تأثيرا في الكشف عن حركة الإنسان في المستقبل ، بما توحيه من تشاؤم أو تفاؤل يعرّف الإنسان كيف يحدد اتجاه موقفه ،
إِنَّا نَراكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ
الذين يحبون أن يعطوا من مواقع ما يعرفون ، فلا يبخلون بالمعرفة على من يحتاج إليها ، لأن ذلك هو معنى الإحسان الذي ينطلق من حسّ الخير في الإنسان ، تجاه من حوله .
وقد جاء في بعض الكلمات التفسيرية عن الإمام جعفر الصادق عليه السّلام - في ما روي عنه - في قوله :
إِنَّا نَراكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ
قال : « كان يقوم على المريض ، ويلتمس المحتاج ، ويوسّع على المحبوس » « 1 » .
وربما كانت هذه
هامش
( 1 ) بحار الأنوار لدرر أخبار الأئمة الأطهار ، دار أحياء التراث العربي ، ط . الأولى 1412 ه - 1992 م ، م : 5 ، ج : 12 ، ص : 147 ، باب : 9 ، رواية : 5 .