تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من وحي القرآن — صفحة 111

مساهمون:

ص١١١
رسول اللّه ، حقن بها ماله ودمه وعرضه » ، وأمثال ذلك من الأحاديث التي تربط الاحترام بالإسلام ، مما يجعل الكافر ممن لا حرمة له لكفره ، ولكننا ذكرنا في أبحاثنا أن هذه الإطلاقات ليست واردة في مقام البيان من هذه الجهة ليؤخذ بمضمونها الإطلاقي ، بل هي واردة في مقام بيان إهدار الإسلام مال الكافر ونفسه وعرضه بالحرب عن طريق الغنائم التي يحصل عليها المسلمون من الأموال المنقولة وغير المنقولة ، وعن طريق الأسر والاسترقاق ، أو القتل في حالة الحرب وفي الجرائم التي تتصل بها . . . فإذا نطق الكافر بالشهادتين فليس للمسلمين سبيل عليه في نفسه وماله وعرضه ، فالقضية - حسب فهمنا - تتحرك في دائرة إعلان الحرب عليهم في حالة البقاء على الكفر ، وترك إعلانها ضدهم في صورة الإسلام ، وربما يتأيد هذا الرأي في قوله تعالى :
لا يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ * إِنَّما يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ وَظاهَرُوا عَلى إِخْراجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ
[ الممتحنة : 8 - 9 ] ؛ فإن الظاهر من هاتين الآيتين أن الكافر الذي لم يعلن القتال على المسلمين ولم يخرجهم من ديارهم ، بل كان موقفه موقف اللاحرب في خط السّلام الطبيعي الذي يعيشه الناس مع بعضهم البعض - من دون معاهدة أو ذمة بالمعنى المصطلح العقدي للمسألة - يستحق التعامل معه بالبرّ في تقديم الخير له بكل ألوانه ، وبالعدل - بمفهومه العام - الذي يقتضي أن له الحق في ذلك ، باحترام ماله ونفسه وعرضه وعدم الاعتداء عليه إلا بالحق ، ومقتضى ذلك أن الكفر لا يساوي عدم الاحترام ، بل الحرب بمضمونها المباشر وغير المباشر هي التي تقتضي ذلك . وهذه الآية تحمل الكثير من الإيحاء بأن الخلاف في الدين لا يبرر - بمجرده - إهدار حرمة الآخرين ، فإن اللّه ذمّ اليهود على ذلك ، وربما يرى بعض الفقهاء أن الآية لا تدل على أكثر من وجوب أداء الأمانة لا وجوب احترام المال ، ونحن نرى للأمانة خصوصية في المسألة لأنها تتضمن التزاما عقديا من
من وحي القرآن — صفحة 111 | السيد محمد حسين فضل الله