تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من وحي القرآن — صفحة 23

مساهمون:

ص٢٣

وَلكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يُرِيدُ

وَلكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يُرِيدُ
إن هذه الفقرة من الآية تحمل الحقيقة العقيدية الإيمانية في النظرة إلى مقام اللَّه في وعي الإنسان المؤمن ، وموقعه منه ، فإن اللَّه الذي يملك العبد بكل وجوده ، فله كل شيء فيه ، وليس له من ربه شيء ، ليس من شأنه أن يقدّم أيّ تفسير لأفعاله وأوامره ونواهيه أمام عباده ، بل إن الواجب عليهم أن يخضعوا له في ذلك كله ، فهم لا يملكون حرية الاختيار معه ، وهذا هو قوله تعالى :
وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ
[ الأحزاب : 36 ] وقوله تعالى :
لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ
[ الأنبياء : 23 ] ، فهو الرب الخالق المهيمن على الكون كله والإنسان كله ، الحكيم في ما يقول ويفعل ، وهم المربوبون له ، فعليهم أن يسلّموا له كل أمورهم في الوعي انسجاما مع حركة هذا الخط في التكوين ، وهذا هو معنى الإيمان الحق في أصالة العقيدة في الذات والفكر والشعور . وليس معنى ذلك أن لا يتطلبوا المعرفة في أسرار أفعاله وأقواله المتعلقة بهم وبالحياة من حولهم ، فإن اللَّه قد وجههم ليعلموا علم ذلك ، ولكن من باب المعرفة التي تبحث عن وعي الكون والحياة في تقدير اللَّه وتدبيره وقضائه وقدره ، لا من باب البحث عن أساس الشرعية في انسجامهم مع إرادات اللَّه وأفعاله ، فهو الذي يفعل ما يريد ، لأن الوجود كله صنع إرادته ، فله أن يصنع فيه ما يشاء لتكون مشيئته هي الأساس ، بعيدا عن أية مشيئة أخرى ، وهذه هي العبودية الحقة في موقف العبد أمام ربه ، المتمثلة بالتسليم المطلق
وَلَوْ شاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا
وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً واحِدَةً وَلا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ
[ هود : 118 ] ، لأن حكمته اقتضت ذلك ، وهو أعلم بأسرارها ، ولأن إرادته فرضت ذلك .