تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من وحي القرآن — صفحة 210

مساهمون:

ص٢١٠
وليتحركوا إلى الحياة في مسئولياتهم من خلاله ، لتقوم حركة الإنسان في علاقاته ومعاملاته وكل أوضاعه وشؤونه على أساس الحق ، كما قامت السماوات والأرض ، لأن اللَّه خلقها به . وقد قيل في توجيه التعبير بكلمة نزّل ، بدلا من أنزل ، لأن التنزيل يدلّ على التدريج ، فأريد التنبيه على طريقة القرآن في النزول . وذكر صاحب الميزان - الذي أورد هذه الملاحظة من النكتة التعبيرية ، أنه « ربما ينقض ذلك بقوله :
لَوْ لا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً
[ الفرقان : 32 ] ، وبقوله تعالى :
أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنا مائِدَةً
[ المائدة : 112 ] ، وقوله تعالى :
لَوْ لا نُزِّلَ عَلَيْهِ
[ الأنعام : 37 ] وقوله تعالى :
قُلْ إِنَّ اللَّهَ قادِرٌ عَلى أَنْ يُنَزِّلَ
[ الأنعام : 37 ] ، ولذلك ذكر بعض المفسرين أن الأولى أن يقال : إن معنى
نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ
: أنزله إنزالا بعد إنزال ، دفعا للنقض . والجواب : أن المراد بالتدريج في النزول ليس هو تخلّل زمان معتدّ به بين نزول كل جزء من أجزاء الشيء وبين جزئه الآخر ، بل الأشياء المركبة التي توجد بوجود أجزائها لوجودها نسبة إلى مجموع الأجزاء ، وبذلك يصير الشيء أمرا واحدا غير منقسم ، والتعبير عنه من هذه الجهة بالنزول كقوله تعالى :
أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً
[ الرعد : 17 ] ، وهو الغيث . ونسبته من حيث وجوده بوجود أجزائه واحدا بعد واحد ، سواء تخلل بينهما زمان معتدّ به أو لم يتخلل وهو التدريج والتعبير عنه بالتنزيل كقوله تعالى :
وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ
[ الشورى : 28 ] . ومن هنا يظهر أن الآيات المذكورة للنقض غير ناقضة ، فإن المراد بقوله :
لَوْ لا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً
الآية ، أن ينزّل عليه القرآن آية بعد آية في زمان متصل واحد من غير تخلل زمان معتدّ به ، كما كان عليه الأمر في نزول القرآن في الشؤون والحوادث والأوقات المختلفة ، وبذلك يظهر