مقارنة بين حياته في داخل أجواء الضلال وبين حياته في أجواء الهدى ، ليعرف نعمة الهدى من مواقع حياته الطبيعية لا من مواقع الفكر والنظرية فحسب .
إلغاء النوازع الطبقية
ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النَّاسُ
يقال : إن قريش كانت لا تفيض من حيث يفيض النّاس ، لأنها تشعر بموقعها المميز الذي يختلف عن مواقع الناس من حيث العلو والرفعة والكبرياء ، فكانت لا تقف بعرفات . وقد جاء في ما رواه ابن جرير الطبري عن ابن عباس : « كانت العرب تقف بعرفة ، وكانت قريش تقف دون ذلك بالمزدلفة ، فأنزل اللّه :
ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النَّاسُ
« 1 » .
لقد جاءت هذه الآية لتلغي من نفوسهم كل هذه النوازع الطبقية التي تدفعهم إلى الاستعلاء على الآخرين ، لا سيما في مثل هذا الموقف الذي أراده اللّه من أجل إلغاء كل الفوارق التي تميزهم عن بعضهم البعض ، ليشعروا بالصفة الواحدة التي تجمعهم أمام اللّه ، وهي أنهم عباد اللّه الواحد الأحد ؛ فلا فضل لأحد على أحد إلا بالتقوى ، فلا معنى - بعد ذلك - لأن يميز أحد نفسه عن أخيه في موقع أو في ظرف انطلاقا من الشعور بالتفوق والكبرياء .
وهناك تفسير آخر للآية : وهو « أن المراد به الإفاضة من المزدلفة إلى منى يوم النحر قبل طلوع الشمس للرمي والنحر عن الجبائي قال : والآية تدل عليه ، لأنه قال :
فَإِذا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفاتٍ
ثم قال :
ثُمَّ أَفِيضُوا
،
هامش
( 1 ) الطبري ، ابن جرير ، جامع البيان عن تأويل آي القرآن ، دار الفكر ، 1415 ه - 1995 م ، ج : 2 ، ص : 399 .