تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من وحي القرآن — صفحة 204

مساهمون:

ص٢٠٤
كانت ، إذا لم تتحرك من إيمان عميق بأصول الإيمان ، ولم تنطلق في حركة الإيمان سبيلا وغاية ، لأنها إذا لم تكن كذلك تتحول إلى إحساس يطفو على السطح ولا يلامس الأعماق ، مما يجعل من الموقف موقف استعراض لا موقف ارتكاز ، وبهذا ، فليس من الضروري أن يثور هذا اللغط الكثير حول تغيير طبيعة القبلة إلى الشرق أو إلى الغرب ، فهي لا تزيد عن أن تكون مجرد تشريع جزئي كبقية التشريعات الجزئية المتعلقة بأحكام العبادة في تفاصيلها الخاصة الكثيرة ، ومن الطبيعي أن يخضع المؤمنون للتشريع في سلبياته وإيجابياته ، فلا يعترضوا عليه في قليل أو كثير إذا أحرزوا انطلاقه من مصدر التشريع وهو اللّه ، بل لا بد من أن يتركز الاهتمام والجدل حول الأسس التي يرتكز عليها البناء الداخلي للنفس البارّة الخيّرة التي تعيش البر موقفا شاملا لجميع مجالات الحياة . ونلاحظ في هذا المجال أن الآية قد غيّرت أسلوبها التعبيري ، فبينما كان النفي يتجه إلى استبعاد الشكل عن معنى البرّ نرى الإثبات ينطلق في الحديث عن شخصية البارّ وصفته ، للتدليل على أنّ الإسلام ينظر إلى الفكرة من خلال المفكر ، وإلى الخير من خلال النموذج الحيّ المتجسد بالفكرة شكلا ومضمونا ، ليبتعد الجو النفسي عن التركيز على المفهوم النظري بعيدا عن الواقع التطبيقي للنظرية ، وهذا هو ما نلمحه في تكملة الآية في قوله تعالى :
وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ
فلا بد من الإيمان بالأسس العامة للعقيدة ، وهي الإيمان
بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتابِ وَالنَّبِيِّينَ
لأنها تمثل الحقائق الدينية التي لا يمكن أن يجهلها أو يهملها أيّ إنسان مؤمن ، لأن جميع الرسالات السماوية قد قررت ذلك .
من وحي القرآن — صفحة 204 | السيد محمد حسين فضل الله