تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المعجزة الكبرى القرآن — صفحة 184

مساهمون:

ص١٨٤
سابِقُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُها كَعَرْضِ السَّماءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ
( 21 ) [ الحديد : 21 ] . ونرى من هذا أن المراد السعة في النعمة ، وأن السعة في النعمة كالسعة في المكان ، وهي تدل عليه ، والمراد من الكلام كله الحث على طلب مغفرة اللّه تعالى ، وأن الكلام كله يصور الجنة ، بأنها خير من الوجود كله ، وأنها أوسع ، وأنه إذا كانت النار تسع كل المجرمين ، لأن لها سبعة أبواب لكل باب جزء مقسوم ، فالجنة تسع المتقين الأبرار ، لأنها واسعة عريضة كعرض السماء والأرض . ومن التشبيه الذي ذكره الرماني على أنه تشبيه ما لا يعلم بالبداهة إلى ما يعلم بها قوله تعالى :
مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْراةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها كَمَثَلِ الْحِمارِ يَحْمِلُ أَسْفاراً
[ الجمعة : 5 ] ، ثم قال : وهذا تشبيه قد أخرج ما لا يعلم بالبديهة إلى ما يعلم بالبديهة ، وقد اجتمعا في الجهل بما حملا ، وفي ذلك العيب لمن ضيع العلم بالاتكال على حفظ الرواية من غير ، ولسنا نرى في الكلام ما يدل على أن المشبه لا يعلم بالبداهة ، والمشبه به يعلم بالبداهة . إن الذي نراه ليس علم الرواية وعلم الدراية ، إنما الذي تتجه إليه الآية الكريمة في صدرها ونهايتها ، وهو تشبيه علم لا يقرنه العمل ، بعدم العلم ، فهم يحملون علما لا ينتفعون به عملا ، بل يعملون بنقيضه ، يحملون علم الهداية ولا يهتدون ، كمثل الحمار يحمل أسفارا . وكان تشبيههم بالحمار الذي يحمل أسفارا وهو غير صالح للانتفاع ، وفي التعبير القرآني إشارة بيانية تبين أن العمل هو ثمر العلم ، ولا يقال أنه قد نال من أخذه من غير عمل ، وذلك قوله تعالى :
حُمِّلُوا التَّوْراةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها
أن اللّه حملهم التوراة علما لأجل العمل ، فعلموها ولم يعملوا بها فكانوا غير حاملين . 109 - وقد ساق الرماني من تشبيهات القرآن تشبيهات فيها المشبه يكون أضعف صفة من المشبه به فيلحق به لأنه أقوى صفة منها ، ومن ذلك قوله تعالى :
وَلَهُ الْجَوارِ الْمُنْشَآتُ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلامِ
( 24 ) [ الرحمن : 24 ] ، ويقول في ذلك : « فهذا تشبيه قد أخرج ما لا قوة له في الصفة إلى ماله قوة فيها ، وقد اجتمعا في العظم إلا أن الجبال أعظم ، وفي ذلك العبرة من جهة القدرة ، فيما سخر من الفلك الجارية مع عظمها ، وما في ذلك من الانتفاع بها ، وقطع الأقطار البعيدة فيها » وإن ذلك الكلام حق ، فإنه إذا كان الجامع بين المشبه والمشبه به القوة ، فالجبل أقوى ، وإذا كان الظهور فالجبل أظهر ، ولكن يلاحظ أن المقصود من التشبيه لا يعنى به الرماني كثيرا ، بل تكون عنايته بالأوصاف الظاهرة ، أو المقاصد القريبة . وأن المقصود في هذا السياق هو بيان سر اللّه