تخطي إلى المحتوى الرئيسي

بوارق القهر في تفسير سوره الدهر — صفحة 67

مساهمون:

ص٦٧
بقوله :
إِمَّا شاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً
لأنّ الفائز بالغرض من الهداية بحقيقة الفوز لا يختار الضلالة أصلا ، كيف وهل يختار العاقل الجحيم على النعيم الدائم ، والظلمة على النور ، والمحنة على السرور ؟ فارتداد القوم عن الإيمان بعد تلبّسهم به دليل واضح يكشف عن عدم إيمانهم أوّلا ، وعدم التذاذهم بلذّات الإجابة ، فهم لقد كانوا كافرين في أوّل المرتبة غير مؤمنين في حين ، فإنّهم لو كانوا بحيث استشمّوا من الإيمان ومقام العرفان رائحة ، أو سمعوا لمفردات الحقّ رنّة لما رجعوا ، فإنّ الملتذّ من الشيء لا يكفّ عنه اختيارا ، والخارج عن الظلمات لا يرجع إليها ، فهؤلاء محرومون عن لذّة الإيمان ومحجوبون عن نور العرفان . وقال اللّه تعالى :
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدادُوا كُفْراً لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا
« 1 » . الثانية : في نسبة الهداية إلى ذاته تعالى إشعار بأنّ الشيء ينسب إلى المبدأ الأعلى ، فإنّه هو العلّة التامّة الجاعلة لجميع العلل ، فكلّ العلل أسباب مجعولة وآلات مقرّبة مستندة إلى العلّة الأولى ، فإنّه لو لم تكن العلّة الأولى لما تحقّقت تلك العلل ، كيف وعلّيّتها إنّما هي بعلّيّة الأولى ، فإليها ينبغي أن تستند الأمور الحاصلة من العلل المتوسّطة وإن كان الاستناد إليها جائزا أيضا . قال المحقّق الطوسيّ في « شرح الإشارات » : قد شنّع عليهم أبو البركات البغداديّ بأنّهم نسبوا المعلولات الّتي في المراتب الأخيرة إلى المتوسّطة ، والمتوسّطة إلى العالية ، والواجب أن ينسب الكلّ إلى المبدأ الأوّل ، ويجعل
هامش
( 1 ) النساء : 137 .
بوارق القهر في تفسير سوره الدهر — صفحة 67 | ملا حبيب الله الشريف الكاشاني / موسسه فرهنگى ضحى