تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مناهل العرفان في علوم القرآن — صفحة 41

مساهمون:

ص٤١
أمكن تحقيقه في الترجمة بالنسبة إلى كل ما يفهم من معاني القرآن الأصلية فهو لا يمكن تحقيقه بالنسبة إلى كل ما يفهم من معاني القرآن التابعة ؛ لأنها مدلولة لخصائصه العليا التي هي مناط إعجازه البلاغي كما سبق . وكذلك مقصد القرآن الثاني وهو كونه آية لا يمكن تحقيقه فيما سواه من كلام البشر عربيا كان أو عجميا ، وإلا لما صح أن يكون آية خارقة ، ومعجزة غير ممكنة ، حين تتناول هذا المقصد قدرة البشر . كيف والمفروض أن القرآن آية بل آيات ، ومعجزة بل معجزات لا يقدر عليها إلا اللّه وحده جل وعلا ؟ ! ويجرى هذا المجرى مقصد القرآن الثالث ، وهو كونه متعبدا بتلاوته ، فإنه لا يمكن أن يتحقق في الترجمة ، لأن ترجمة القرآن غير القرآن قطعا . والتعبد بالتلاوة إنما ورد في خصوص القرآن وألفاظه عينها بأساليبها وترتيباته نفسها ، دون أي ألفاظ أو أساليب أخرى ، ولو كانت عربية مرادفة لألفاظ الأصل وأساليبه . ( الطريق الثاني ) أن ترجمة القرآن بهذا المعنى مثل للقرآن ، وكل مثل للقرآن مستحيل . أما أنها مثل له فلأنها جمعت معانيه كلها ومقاصده كلها لم تترك شيئا ، والجامع لمعاني القرآن ومقاصده مثل له أي مثل . وأما أن كل مثل للقرآن مستحيل ، فلأن القرآن تحدى العرب أن يأتوا بمثل أقصر سورة منه ، فعجزوا عن المعارضة والمحاكاة ، وهم يومئذ أئمة البلاغة والبيان ، وأحرص ما يكونون على الغلبة والفوز في هذا الميدان . وإذا كان هؤلاء قد عجزوا وانقطعوا ، فغيرهم ممن هم دونهم بلاغة وبيانا أشد عجزا وانقطاعا .
وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَداءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ * فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا ، فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ
. وإذا كان الإنس والجن قد حقت عليهم كلمة العجز عن أن يأتوا بمثل أقصر سورة منه بلغته العربية ، فأحرى أن يكون عجزهم أظهر لو حاولوا هذه المعارضة بلغة غير عربية لأن اتحاد اللغة في المساجلة بين كلامين ، من شأنه أن يقرب
مناهل العرفان في علوم القرآن — صفحة 41 | الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني