تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مناهل العرفان في علوم القرآن — صفحة 194

مساهمون:

ص١٩٤
المنسوبة لعباده ، على سبيل التقريب لأفهامهم والتأنيس لقلوبهم . ولقد نبه في كتابه تعالى على القسمين وأنه منزه عن الجوارح في الحالين . فنبه على الأول بقوله :
« قاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ »
فهذا يفيد أن كل ما يظهر على أيدي العباد فهو منسوب إليه تعالى . ونبه على الثاني بقوله فيما أخبر عنه نبيه صلى اللّه عليه وسلم في صحيح مسلم : « ولا يزال عبدي يتقرب إلى بالنوافل حتى أحبه . فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به ، وبصره الذي يبصر به ، ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشى بها وقد حقق اللّه ذلك لنبيه بقوله :
إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ
وبقوله :
وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى
وبهذا يفهم ما جاء من الجوارح منسوبا إليه تعالى ، فلا يفهم من نسبتها إليه تشبيه ولا تجسيم . ولكن الغرض من ذلك التقريب للأفهام ، والتأنيس للقلوب . والواجب سلوكه إنما هو رد المتشابه إلى المحكم على القواعد اللغوية ، وعلى مواضعات العرب وعلى ما كان يفهمه الصحابة والتابعون من الكتاب والسنة » اه ما أردنا نقله .

الشبهة الرابعة ودفعها :

نقل السيوطي أيضا عن الإمام فخر الدين الرازي أنه قال : « من الملحدة من طعن في القرآن لأجل اشتماله على المتشابهات وقال : إنكم تقولون إن تكاليف الخلق مرتبطة بهذا القرآن إلى قيام الساعة ، ثم إنا نراه بحيث يتمسك به صاحب كل مذهب على مذهبه ، فالجبرى متمسك بآيات الجبر ، كقوله تعالى
وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذانِهِمْ وَقْراً
، والقدري يقول : هذا مذهب الكفار بدليل أنه تعالى حكى عنهم ذلك في معرض الذم في قوله .
وَقالُوا قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ ، وَفِي آذانِنا وَقْرٌ
وفي موضع آخر
وَقالُوا قُلُوبُنا غُلْفٌ
ومنكر الرؤية متمسك بقوله تعالى
لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ
« 1 » ومثبت الجهة متمسك بقوله تعالى :
يَخافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ
هامش
( 1 ) يظهر أن هنا سقطا ، لعله هكذا : ومثبت الرؤية متمسك بقوله تعالىوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ ، إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ.