تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مناهل العرفان في علوم القرآن — صفحة 356

مساهمون:

ص٣٥٦
ومن هنا وجد عدد يحذق الخط والكتابة قبيل الإسلام ، ولكنهم نزر يسير بجانب تلك الكثرة الغامرة من الأميين . وفي ذلك يمتنّ رجل من أهل دومة الجندل على قريش فيقول :
« لا تجحدوا نعماء بشر عليكمو * فقد كان ميمون النقيبة أزهرا
أتاكم بخط الجزم « 1 »
حتى حفظتموا * من المال ما قد كان شتى مبعثرا
فأجريتم الأقلام عودا وبدأة * وضاهيتموا كتّاب كسرى وقيصرا
وأغنيتموا عن مسند الحىّ حمير * وما زبرت في الصحف أقلام حميرا »
أولئك أهل مكة . أما أهل المدينة فكان بينهم أهل الكتاب من اليهود ، وقد دخل النبي صلّى اللّه عليه وسلّم المدينة وفيها يهودي يعلم الصبيان الكتابة ، وكان فيها بضعة عشر رجلا يحذقون الكتابة ، منهم المنذر بن عمرو ، وأبي بن وهب ، وعمرو بن سعيد ، وزيد بن ثابت الذي تعلم كتابة اليهود بأمر من النبي صلّى اللّه عليه وسلّم .

شأن الكتابة في الإسلام :

ثم جاء الإسلام ، فحارب فيما حارب أمّية العرب ، وعمل على محوها ، وطفق يرفع من شأن الكتابة ويعلى من مقامها . وإن كنت في شك ، فهذه أوائل آيات نزلن من القرآن الكريم ، يشيد الحق فيها بالقلم ، وما يعلم اللّه عباده بوساطة القلم ، إذ يقول جلت حكمته :
« اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ »
إلى أن قال :
« وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ ، الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ ، عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ »
. وهذه سورة « ن » يحلف العلى الأعلى فيها بالقلم وما يسطرون ، إذ يقول .
« ن وَالْقَلَمِ وَما يَسْطُرُونَ . ما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ »
. وهذا من أروع ألوان التنبيه إلى جلال الخط والكتابة ومزاياهما .
هامش
( 1 ) سمى بالجزم لأنه جزم - أي قطع - من الخط المسمى بالمسند ، وهو خط حمير .
مناهل العرفان في علوم القرآن — صفحة 356 | الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني