ابن مسعود ربما يفهم منها الطعن في زيد من ناحية أن أباه كان كافرا ، ولكن هذا ليس بمطعن ، فكثير من أكابر الصحابة كانوا في مبدأ أمرهم كفارا ، وخرجوا من أصلاب آباء كافرين . واللّه تعالى يقول :
« وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى »
ويقول
: « قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ ما قَدْ سَلَفَ »
.
( ثانيا ) : أننا إذا سلمنا صحة ما نقل عن ابن مسعود ، وسلمنا أنه أراد الطعن في صحة جمع القرآن ، لا نسلم أنه دام على هذا الطعن والإنكار ، بدليل ما صح عنه أنه رجع إلى ما في مصحف عثمان ، وحرق مصحفه في آخرة الأمر ، حين تبين له أن هذا هو الحق ، وبدليل ما صحّ عنه من قراءة عاصم عن زرعة ، وقد تقدم .
( ثالثا ) أن كلام ابن مسعود هذا - على تسليم صحته وأنه أراد به الطعن في صحة الجمع ، وأنه دام عليه ولم يرجع عنه - لا نسلم أنه يدل على إبطال تواتر القرآن فإن التواتر كما أسلفنا يكفى في القطع بصحة مرويه أن ينقل عن جمع يؤمن تواطؤهم على الكذب بشروطه ، وليس من شروطه ألا يخالف فيه مخالف حتى يقدح في تواتر القرآن أن يخالف فيه ابن مسعود أو غير ابن مسعود ، ما دام جمّ غفير من الصحابة قد أقروا جمع القرآن على هذا النحو في عهد أبى بكر مرة ، وفي عهد عثمان مرة أخرى .
الشبهة الخامسة
يقولون : كيف يكون القرآن متواترا ، مع ما يروى عن زيد بن ثابت أنه قال في الجمع على عهد أبى بكر ما نصه : « فقمت فتتبعت القرآن أجمعه من الرقاع والأكتاف والعسب وصدور الرجال ، حتى وجدت من سورة التوبة آيتين مع أبي خزيمة الأنصاري لم أجدهما مع غيره ، وهما
« لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ »
إلى آخر السورة .