تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مناهل العرفان في علوم القرآن — صفحة 205

مساهمون:

ص٢٠٥
أنها جعلت الناس قسمين : قسما غريقا في الخسران ، وقسما فاز ونجا من هذا الخسران ، وهم الذين جمعوا عناصر السعادة الأربعة . اقرأ قوله سبحانه :
« وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ : إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَتَواصَوْا بِالْحَقِّ وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ »
فهل ترى فيها ظلّا للسباب والإقذاع ؟ ولكن القوم لا يستحون ! . وأما سورة
« أَلْهاكُمُ التَّكاثُرُ »
: فمبلغ ما تشير إليه ، أن المخاطبين شغلتهم الدنيا عن الدين ، وألهتهم الأموال عن رب الأموال ، حتى انتهت أعمارهم وهم على هذه الحال . وغدا يسألون عن هذا النعيم ، ويعاقبون على إهمال شكره بعذاب الجحيم . وأما قوله سبحانه :
« فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذابٍ »
، فهو حكاية لما حلّ بالأمم السابقة كثمود وعاد ، حين طغوا في البلاد ، فأكثروا فيها الفساد ، ليكون من هذا القصص والخبر ، عبرة لأولئك الكفار ومزدجر ، فلا يقعوا فيما وقع فيه أسلافهم ، لأن سنّة اللّه واحدة في الأمم ، وميزان عدالته قائم في كل جيل وقبيل .
« أَ كُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولئِكُمْ ، أَمْ لَكُمْ بَراءَةٌ فِي الزُّبُرِ »
.

الخلاصة

والخلاصة أن القرآن كله قام على رعاية حال المخاطبين ، فتارة يشتدّ وتارة يلين ، تبعا لما يقتضيه حالهم ، سواء منهم مكيّهم ومدنيّهم ، بدليل أنك تجد بين ثنايا السور المكّية والمدنية ، ما هو وعد ووعيد وتسامح وتشديد ، وأخذ وردّ ، وجذب وشدّ ، كما سبق لك في الأمثلة والشواهد الكثيرة . وإذا لوحظ أن أهل مكة كثر خطابهم بالشدّة والعنف ، فذلك لما مردوا عليه من أذى الرسول وأصحابه والكيد لهم حتى أخرجوهم من أوطانهم . ولم يكتفوا بذلك بل أرسلوا إليهم الأذى في مهاجرهم .