تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مناهل العرفان في علوم القرآن — صفحة 125

مساهمون:

ص١٢٥
والجواب أنه يكفى في حكمة تأخير البيان إلى ما بعد السبب أن يكون اللفظ العامّ بيانا له ولو مع ما يشابهه من كل ما يندرج تحت اللفظ العام ، ولا يستلزم أن يكون بيانا له وحده كما ذكرتم . ويمكن أن تصوغ من هذا قياسا هكذا : لو لم تكن العبرة بخصوص السبب ، لما أخّر البيان إلى وقوع الواقعة أو توجيه السؤال . لكن التالي باطل ، فثبت نقيض المقدم وهو المطلوب . دليل الملازمة أن تأخير لفظ الشارع إلى ما بعد وقوع الواقعة وتوجيه السؤال لا يفهم منه إلا أنه بيان لهذا السبب وحده ، وذلك معنى أن العبرة بخصوصه . والجواب : أننا نمنع دليل الملازمة ، أي نمنع أنه لا يفهم من تأخير البيان إلى ما بعد وقوع الواقعة وتوجيه السؤال إلا أن يكون اللفظ العام النازل بسببهما بيانا لهذا السبب وحده . كيف ؟ والتأخير يفهم منه أن اللفظ العامّ جاء بيانا له مع أشباهه من كل ما ينتظم وإياه في سلك العامّ للأدلة السابقة . « الشبهة الرابعة » يقولون : قد اتفقت كلمة الفقهاء على أنه إذا دعا رجل رجلا آخر إلى طعام الغداء وقال له : ( تغدّ عندي ) فرفض وقال : ( واللّه لا أتغدّى ) ، ولم يقل « عندك » ، ثم تناول الغداء عند غير هذا الداعي ، فإنه لا يحنث . وما ذاك إلا لأن هذا اللفظ العامّ قد تخصّص بسببه وهو كلمة ( تغدّ عندي ) التي خصّ بها الداعي نفسه ، فكان الحالف قال : ( لا أتغدى عندك وحدك ) ولذلك لا يحنث بغدائه عند غيره والجواب : أن حكم الفقهاء في هذا المثال ليس مبنيا على أن كل عام يتخصّص بسببه كما فهمتم ، بل هو مبنىّ على أن هذا المثال وأشباهه تخصّص بقرينة خارجة وهي حكم العرف هنا بأن الحالف إنما يريد ترك الغداء عند داعيه فقط . وليس كلامنا فيما تخصّص بقرينة خارجة ، سواء أكانت العرف أم سواه ، فذلك محلّ وفاق .