استقرارهم في السفن أشق ، واستمساكهم فيها أعجب . وقيل : الضمير في
ذُرِّيَّتَهُمْ
يرجع إلى القرون الماضية ، والمعنى : أن اللّه حمل ذرية القرون الماضية في الفلك المشحون ، فالضميران مختلفان . وقيل : الذرية : الآباء والأجداد ، والفلك هو سفينة نوح ، أي : إن اللّه حمل آباء هؤلاء وأجدادهم في سفينة نوح . وعبارة « الخازن » حمل آباءهم الأقدمين ، في أصلاب الذين كانوا في السفينة ، فكانوا ذرية لهم . وفي « فتح الرحمن » : إن قلت : الذرية اسم للأولاد ، والمحمول في سفينة نوح آباء المذكورين ، لا أولادهم .
قلت : الذرية من أسماء الأضداد عند كثير ، تطلق على الآباء والأولاد ، والمراد هنا : الفريقان ، فمعناه : حملنا آباءهم وأولادهم ؛ لأنهم كانوا في ظهور آبائهم المحمولين ظاهرا ، انتهى . قال الواحدي : والذرية تقع على الآباء كما تقع على الأولاد ؛ لأنها من الذرء بمعنى الخلق ، فيصلح الاسم للأصل والنسل .
وقيل : الذرية : النطف الكائنة في بطون النساء وشبه البطون بالفلك المشحون .
والراجح : القول الثاني ثم الأول ثم الثالث .
وقيل : إن الضمير في قوله :
وَآيَةٌ لَهُمْ
يرجع إلى العباد المذكور في قوله :
يا حَسْرَةً عَلَى الْعِبادِ
؛ لأنه قال بعد ذلك :
وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ
، وقال :
وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ
، ثم قال :
وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنا ذُرِّيَّتَهُمْ
فكأنه قال : وآية للعباد ، أنا حملنا ذرية العباد ، وهذا قول حسن ؛ لأنه لا يلزم عليه اختلاف الضميرين .
وَخَلَقْنا لَهُمْ
؛ أي : وآية لهم أنا خلقنا لهم
مِنْ مِثْلِهِ
؛ أي : مما يماثل الفلك ، ويشابهه
ما يَرْكَبُونَ
؛ أي : ما يركبونه . قال مجاهد ، وقتادة ، وجماعة من أهل التفسير : هي الإبل ، خلقها لهم للركوب في البر ، مثل السفن المركوبة في البحر ، والعرب تسمي الإبل سفائن البر . وعلى هذا ، فتعريف الفلك للجنس ؛ لأن المقصود من الآية : الاحتجاج على أهل مكة ، ببيان صحة البعث وإمكانه .
استدل عليهم أولا بإحياء الأرض الميتة ، وجعلها سببا لتعيّشهم ، ثم استدل عليهم بتسخير الرياح والبحار والسفن الجارية فيها ، على وجهه ، يتوسلون بها إلى تجارات البحر ، ويستصحبون من يهمهم حمله من النساء والصبيان . كما قال