تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نيل المرام من تفسير آيات الأحكام — صفحة 258

مساهمون:

ص٢٥٨
فذهب الجمهور : إلى أنها نزلت في [ العرنيين ] « 1 » . وقال مالك والشافعي وأبو ثور وأصحاب الرأي : إنها نزلت فيمن خرج من المسلمين يقطع الطريق ، ويسعى في الأرض بالفساد . قال ابن المنذر : قول مالك صحيح . قال أبو ثور محتجا لهذا القول : إن قوله في هذه الآية :
إِلَّا الَّذِينَ تابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ
[ المائدة : 34 ] يدل على أنها نزلت في غير أهل الشرك ، لأنهم قد أجمعوا على أن أهل الشرك إذا وفقوا في الدنيا ، فأسلموا ؛ فإن دماءهم تحرم ، فدلّ ذلك على أن الآية نزلت في أهل الإسلام . انتهى « 2 » . وهكذا يدل على هذا قوله :
قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ ما قَدْ سَلَفَ
. وقوله صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : « الإسلام يهدم ما قبله » أخرجه مسلم « 3 » وغيره . وحكى ابن جرير الطبري في « تفسيره » « 4 » عن بعض أهل العلم : أن هذه الآية - أعني آية المحاربة - نسخت فعل النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم في [ العرنيين ] ووقف الأمر على هذه الحدود . وروي عن محمد بن سيرين أنه قال : كان هذا قبل أن تنزل الحدود ، يعني فعله صلّى اللّه عليه وآله وسلّم [ العرنيين ] « 5 » . وبهذا قال جماعة من أهل العلم . وذهب جماعة آخرون إلى أن فعله صلّى اللّه عليه وآله وسلّم بالعرنيين منسوخ ؛ فنهى النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم عن المثلة . والقائل بهذا مطالب ببيان تأخر الناسخ . والحق أن هذه الآية تعم المشرك وغيره ، ممن ارتكب ما تضمنته ؛ ولا اعتبار بخصوص السبب ، بل الاعتبار بعموم اللفظ « 6 » .
هامش
( 1 ) صحفت في « المطبوعة » إلى ( العرينين ) ، والتصويب من البخاري ( 2 / 335 ) ، ( 8 / 273 ) ، ومسلم ( 11 / 153 ، 155 ) . ( 2 ) وانظر : الطبري ( 6 / 132 ) ، النكت ( 1 / 461 ) ، وزاد المسير ( 2 / 345 ) ، القرطبي ( 6 / 150 ) ، ابن كثير ( 2 / 48 ) . ( 3 ) حديث صحيح : رواه مسلم ( 2 / 136 ، 139 ) عن عمرو بن العاص مرفوعا . ( 4 ) انظره في ( 6 / 209 ) . ( 5 ) أثر ضعيف : رواه أبو داود ( 4371 ) ، وضعّفه الألباني كما في « ضعيف أبي داود » ( 939 ) . ( 6 ) انظر كلام القاضي ابن العربي في هذه المسألة ( 2 / 189 ، 191 ) .
نيل المرام من تفسير آيات الأحكام — صفحة 258 | أحمد فريد المزيدي / صديق الحسيني القنوجي البخاري