تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مراح لبيد لكشف معنى القرآن المجيد — صفحة 612

مساهمون:

ص٦١٢
حَنِيفاً
أي مائلا عن الباطل حال من إبراهيم ،
وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ
( 123 ) وهذا تكرير لما سبق لزيادة تأكيد في الرد على المشركين حيث زعموا أنهم كانوا على ملة إبراهيم .
إِنَّما جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ
أي إنما فرض تعظيم يوم السبت على الذين خالفوا نبيهم موسى عليه السلام لأجل يوم السبت ، فإن أهل الملل اتفقوا على أنه تعالى خلق العالم في ستة أيام ، وبدأ تعالى بالتكوين من يوم الأحد ، وتمّ في يوم الجمعة . وكان يوم السبت يوم الفراغ فأمر سيدنا موسى عليه السلام اليهود أن يعظموا يوم الجمعة - كما هو ملة إبراهيم عليه السلام - بالتفرغ للعبادة فيه وترك الأشغال ، فيكون عيدا ، فخالفوا كلهم وقالوا : نحن نوافق ربنا في ترك الأعمال ، فاختاروا السبت ، فأذن اللّه تعالى لهم فيه وشدّد عليهم بتحريم الاصطياد فيه . وقالت النصارى : مبدأ التكوين هو يوم الأحد فنجعل هذا اليوم عيدا لنا وقد جاءهم عيسى عليه السلام بالجمعة أيضا فقالوا : لا نريد أن يكون عيد اليهود بعد عيدنا ، واتخذوا الأحد عيدا لهم وقلنا معشر الأمة المحمدية : يوم الجمعة هو يوم الكمال فحصول التمام يوجب الفرح الكامل ، فهو أحق بالتعظيم ، وبجعله عيدا . وأيضا إن اللّه تعالى خلق في يوم الجمعة أبا البشر آدم عليه السلام وهو أشرف خلقه وتاب عليه فيه فكان يوم الجمعة أشرف الأيام لهذا السبب ، ولأن اللّه تعالى اختار يوم الجمعة لهذه الأمة ولم يختاروه لأنفسهم .
وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ
( 124 ) في الدين فإنه تعالى سيحكم للمحقين بالثواب وللمبطلين بالعقاب .
ادْعُ
يا أشرف الرسل من بعثت إليهم من الأمة قاطبة
إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ
أي إلى دينه
بِالْحِكْمَةِ
أي الحجة القطعية المفيدة للعقائد اليقينية وهذه أشرف الدرجات ، وهي التي قال اللّه تعالى في صفتها :
وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً
[ البقرة : 269 ]
وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ
أي الأمارات الظنية والدلائل الإقناعية
وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ
أي بدليل مركب من مقدمات مقبولة فالناس على ثلاثة أقسام : الأول : أصحاب العقول الصحيحة الذين يطلبون معرفة الأشياء على حقائقها . والثاني : أصحاب النظر السليم الذين لم يبلغوا حدّ الكمال ولم ينزلوا إلى حضيض النقصان . والثالث : الذين تغلب على طباعهم المخاصمة لا طلب العلوم اليقينية فقوله تعالى :
ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ
إلخ . معناه : ادع الأقوياء الكاملين إلى الدين الحق بالدلائل القطعية اليقينية حتى يعلموا الأشياء بحقائقها ، وهم خواص الصحابة وغيرهم . وادع عوام الخلق بالدلائل الإقناعية الظنية ؛ وهم أرباب السلامة ، وفيهم الكثرة ، وتكلّم مع المشاغبين بالجدل على الطريق الأحسن الأكمل ؛ وهي التي تفيد إفحامهم وإلزامهم . والجدل ليس من باب الدعوة ،