تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مراح لبيد لكشف معنى القرآن المجيد — صفحة 147

مساهمون:

ص١٤٧
آياتِ اللَّهِ آناءَ اللَّيْلِ
أي يقرءون القرآن ساعات الليل
وَهُمْ يَسْجُدُونَ
( 113 ) أي يصلون التهجد في الليل . وهذا كلام مستقل والصلاة تسمى سجودا .
يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ
أي يبادرون مع كمال الرغبة في فعل أصناف الخيرات اللازمة والمتعدية
وَأُولئِكَ
الموصوفون بالصفات السبعة
مِنَ الصَّالِحِينَ
( 114 ) أي من جملة الذين صلحت أحوالهم عند اللّه واستحقوا رضاه وثناءه . وقال ابن عباس : أي من صالحي أمة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم . ويقال : مع صالحي أمة محمد في الجنة مع أبي بكر وأصحابه . واعلم أن اليهود كانوا أيضا يقومون في الليالي للتهجد وقراءة التوراة . فلما مدح اللّه المؤمنين منهم بالتهجد وقراءة القرآن أردف ذلك بقوله :
يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ
فالإيمان باللّه يستلزم الإيمان بجميع أنبيائه ورسله وكتبه ، والإيمان باليوم الآخر يستلزم الحذر من المعاصي . فإيمان اليهود باللّه مع قولهم عزير ابن اللّه ، وكفرهم ببعض الكتب والرسل ، ووصفهم اليوم الآخر بخلاف صفته ، عدم الاحتراز عن معاصي اللّه وإضلال الناس وصدّهم عن سبيل اللّه ومبادرتهم إلى الشرور . واعلم أن كمال الإنسان في أن يعرف الحق لذاته والخير لأجل العمل . وأفضل الأعمال الصلاة وأفضل الأذكار ذكر اللّه . وأفضل المعارف معرفة المبدأ ومعرفة المعاد . فقوله تعالى :
يَتْلُونَ آياتِ اللَّهِ آناءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ
إشارة إلى الأعمال الصالحة الصادرة عنهم . وقوله تعالى :
يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ
إشارة إلى فضل المعارف الحاصلة في قلوبهم ، فكان هذا إشارة إلى كمال حالهم في القوة العملية وفي القوة النظرية ، وذلك أكمل أحوال الإنسان وهي المرتبة التي هي آخر درجات الإنسانية ، وأول درجات الملكية . واعلم أن الغاية القصوى في الكمال أن يكون تاما وفوق التمام فكون الإنسان تاما ليس إلا في كمال قوته العملية وقوته النظرية ، وكونه فوق التمام أن يسعى في تكميل الناقصين وذلك بطريقين إما بإرشادهم إلى ما ينبغي أو بمنعهم عما لا ينبغي ، ثم الوصف بالصلاح غاية المدح ويدل عليه القرآن والعقل . فإن الصلاح ضد الفساد وكل ما لا ينبغي فهو فساد سواء كان في العقائد أو في الأعمال ، فإذا حصل كل ما ينبغي فقد حصل الصلاح فكان الصلاح دالا على أكمل الدرجات . ثم إنه تعالى لما ذكر هذه الصفات الثمانية قال :
وَما يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ
. وقرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم بالياء في الفعلين . لأن الكلام متصل بما قبله من ذكر مؤمني أهل الكتاب ، فإن جهّال اليهود لما قالوا لعبد اللّه بن سلام وأصحابه : إنكم خسرتم بسبب هذا الإيمان . قال تعالى :
وَما يَفْعَلُوا
أي عبد اللّه بن سلام وأصحابه من خير مما ذكر ويقال : من إحسان إلى محمد وأصحابه .
فَلَنْ يُكْفَرُوهُ
أي لن ينسى ثوابه بل يثابوا . وقرأ الباقون بالتاء فيهما على الخطاب لجميع المؤمنين الذين من جملتهم هؤلاء أي وما