تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مراح لبيد لكشف معنى القرآن المجيد — صفحة 108

مساهمون:

ص١٠٨
الرحمة الإلهية لا يطالبنا إلا بالشيء السهل الهين فكذلك نحن بحكم العبودية وجب أن نكون سامعين مطيعين . وإن قلنا : إن هذا من كلام اللّه تعالى فوجه النظم أنهم لما قالوا : سمعنا وأطعنا ، ثم قالوا بعده : غفرانك ربنا ، دل ذلك على أن قولهم : غفرانك ، طلب للمغفرة مما يصدر عنهم من وجوه التقصير منهم على سبيل العمد ، فلما كان قولهم غفرانك طلبا للمغفرة من ذلك التقصير فلا شك في أن اللّه تعالى خفف عنهم ذلك وقال :
لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها
. والمعنى أنكم إذا سمعتم وأطعتم ولم تتعمدوا التقصير ، فلو وقع منكم نوع تقصير على سبيل السهو والغفلة فلا تكونوا خائفين منه فإن اللّه تعالى لا يكلف نفسا إلا وسعها . وبالجملة فهذا إجابة لهم من اللّه في دعائهم بقولهم غفرانك ربنا ، اه .
رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا
أي يا ربنا لا تعاقبنا
إِنْ نَسِينا
طاعتك
أَوْ أَخْطَأْنا
في أمرك
رَبَّنا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنا إِصْراً
أي تكليفا بالأمور الشاقة .
كَما حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنا
من بني إسرائيل أي لا تشدد علينا في التكاليف كما شددت على من قبلنا من اليهود . قال المفسرون : إن اللّه تعالى فرض عليهم خمسين صلاة في اليوم والليلة ، وأمرهم بأداء ربع أموالهم في الزكاة . ومن أصاب ثوبه نجاسة أمر بقطعها . وكانوا إذا نسوا شيئا عجلت لهم العقوبة في الدنيا ، وكانوا إذا أتوا بخطيئة حرم عليهم من الطعام بعض ما كان حلالا لهم
رَبَّنا وَلا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ
أي قوة
لَنا بِهِ
من البلاء والعقوبة . أي ولا تحمل علينا أيضا ما لا راحة لنا فيه من الاستكراه .
وَاعْفُ عَنَّا
أي امح آثار ذنوبنا
وَاغْفِرْ لَنا
أي استر عيوبنا ولا تفضحنا بين عبادك .
وَارْحَمْنا
أي تعطّف بنا وتفضّل علينا .
أَنْتَ مَوْلانا
أي أنت سيدنا وناصرنا ونحن عبيدك ويقال : واعف عنا من المسخ كما مسخت قوم عيسى واغفر لنا من الخسف كما خسفت بقارون ، وارحمنا من القذف كما قذفت قوم لوط . فلما دعوا بهذا الدعاء رفع اللّه عنهم ذنوب حديث النفس والنسيان والخطأ والاستكراه وعفا عنهم من الخسف والمسخ والقذف .
فَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ
( 286 ) أي انصرنا عليهم في محاربتنا معهم ، وفي مناظرتنا بالحجة معهم ، وفي إعلاء دولة الإسلام على دولتهم . ولما مدح اللّه تعالى المتقين في أول السورة بيّن في آخر السورة أنهم أمة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم فقال :
وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ
وهذا هو المراد بقوله تعالى هناك :
الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ
ثم قال هاهنا :
وَقالُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا
هو المراد بقوله تعالى هناك :
وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ
ثم قال هاهنا :
غُفْرانَكَ رَبَّنا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ
وهو المراد بقوله تعالى هناك :
وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ
ثم حكى اللّه تعالى عنهم هاهنا كيفية تضرعهم إلى ربهم في قولهم :
رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إِنْ نَسِينا أَوْ أَخْطَأْنا
إلى آخر السورة وهو المراد بقوله تعالى :
أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ *
فانظر كيف حصلت الموافقة بين أول السورة وآخرها .