والعمل للآخرة ، وعبر عن موتهم بزيارة المقابر لأن الميت قد صار إلى قبره كما يصير الزائر إلى الموضع الذي يزوره ، هذا على قول من قال إن معنى زرتم المقابر متم ، وأما على قول من قال إن معنى زرتم المقابر ، ذكرتم الموتى وعددتموهم للمفاخرة والمكاثرة فيكون ذلك على طريق التهكم بهم وقيل إنهم كانوا يزورون المقابر فيقولون هذا قبر فلان وهذا قبر فلان يفتخرون بذلك .
كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ
ردع وزجر لهم عن التكاثر وتنبيه على أنهم سيعلمون عاقبة ذلك يوم القيامة ، وفيه وعيد شديد ، قال الفراء أي ليس الأمر على ما أنتم عليه من التكاثر والتفاخر .
ثم كرر الردع والزجر والوعيد فقال :
ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ
ثم للدلالة على ، أن الثاني أبلغ من الأول ، وقيل الأول عند الموت أو في القبر ، والثاني يوم القيامة قال الفراء : هذا التكرار على وجه التغليظ والتأكيد ، قال مجاهد : هو وعيد بعد وعيد ، وكذا قال الحسن ومقاتل .
وجعله الشيخ جمال الدين بن مالك من التوكيد اللفظي مع توسط حرف العطف ، وقال الزمخشري والتكرير تأكيد للردع والرد عليهم ، ونقل عن علي
كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ
في الدنيا
ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ
في الآخرة ، فعلى هذا يكون غير مكرر لحصول التغاير بينهما لأجل تغاير المتعلقين ، وثم على بابها من المهلة وحذف متعلق العلم في الأفعال الثلاثة لأن الغرض هو الفعل لا متعلقه ، والعلم بمعنى المعرفة فيتعدى لمفعول واحد قاله السمين .
كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ
أي لو تعلمون الأمر الذي أنتم صائرون إليه علما يقينيا كعلمكم ما هو متيقن عندكم في الدنيا ، وجواب لو محذوف أي لشغلكم ذلك عن التكاثر والتفاخر أو لفعلتم ما ينفعكم من الخير ، وتركتم ما لا ينفعكم مما أنتم فيه .
وقال الأخفش : التقدير لو تعلمون علم اليقين ما ألهاكم ، و
كَلَّا
في هذا الموضع الثالث للردع والزجر كالموضعين الأولين ، وقال الفراء : هي بمعنى حقا ، وقيل هي في المواضع الثلاثة بمعنى ألا ، قاله ابن أبي حاتم ، قال قتادة اليقين هنا الموت ، وعنه قال هو البعث ، وعنه كنا نحدث أن علم اليقين أن يعلم أن اللّه باعثه بعد الموت .
وإضافة العلم إلى اليقين من إضافة الموصوف إلى صفته ، وفي السمين وعلم اليقين مصدر قيل وأصله العلم اليقين ، وقيل لا حاجة إلى ذلك لأن العلم يكون يقينا وغير يقين فأضيف إليه إضافة العلم للخاص ، وهذا يدل على أن اليقين أخص .
وقوله :
لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ
جواب قسم محذوف ، وفيه زيادة وعيد وتهديد أي واللّه لترون الجحيم في الآخرة ، قال الرازي وليس هذا جواب لو لأن جواب لو يكون